تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إيه يا فتياتنا، إن الوطن المتحفز للحياة يرسل أبناءه في سبيله جيلا بعد جيل، فتفنى الأجيال لرفعته، وهو خالد، ويرقى على مجهودات أبنائه التي تتكدس تحت قدميه وهو صاعد.

إيه يا بنات النيل سلام عليكن ما حفظتن للنيل عهده. وأديتن الأمانة وشرفتن الكنانة.

سلام كليكن ما قدرتن الشرف والوطن، وإن الوطن بمن فيه من فتيان وشيب فداء لشرف فتياته وأمهاته. •••

لا تنسين تلك الأوراد التي قرأها، لكن الأمهات قبل أن تبرحن أرض مصر. ولا تحقرن تلك التمائم التي أوصاكن بها أمهاتكن الطيبات الصالحات، واتلون تلك الأدعية التي أوصيتن بتلاوتها!! أتدرين ماذا تفيد تلك الأوراد، ولأي شيء ترمز حقا تلك التمائم؟

إنها ستصرخ في آذانكن، بأنكن من قوم لهم ماض وتقاليد وإن للماضي عليكن إن تطورنه، ولكن لا تحقرنه. •••

يا فتياتنا المبعوثات من مصر ولخير مصر، إنكن ترسلن إلى بلاد طالما حاكى نساؤنا نساءها فيما لا ينفع، فحاكينهن أنتن فيما ينفع، وأقدمن إلينا بما يفيد.

قد نقنع منكن بالقليل من العلم الناضج الصافي، ولكن لا نرضى أن تقدمن إلينا إلا بالكرامة كلها، وبالشرف كله، فارجعن به كاملا، أو متن في سبيله.

| حول الديمقراطية

| لصغار اليوم ورجال الغد

القاهرة في 7 من نوفمبر سنة 1925

يوم الخميس، أمس الأول، كان على أن ألقي درسا في مدرسة المعلمين، وفي ساعة يعقبها انصراف الطلاب إلى دورهم. وما هو إلا أن ألقيت درسي حتى انحدرت إلى منزلي من غير إبطاء. وبينما أنا في طريقي مسرعا. إذ حانت مني التفاتة عند مدرسة المنيرة الابتدائية، فوجدت سربا من صغار التلاميذ يحومون حول شاب طويل القامة، رث الثياب، قاتم اللون، يتحرك بينهم حركات تنم عن ضجر، دون أن تبدو على وجهه الأشعث الأغبر علامات الغضب؛ بل كان يبدو في ثنايا سحنته المظلمة البائسة شيء من العطف غير يسير. وكأن هؤلاء الصبية يحومون حوله كما يحوم النحل حول شجرة باسقة، ولأصواتهم أزيز يشبه أزيزه، ويرسلون أكفهم الصغيرة لشيء بين كفيه الضخمتين القويتين إرسال من يريد أن يخطف شيئا عز عليه أن يناله. •••

مر بنفسي خاطر من السوء نحو هذا الفتى الوضيع طبقة في عرف الناس، ودفعتني عواطف أبوية؛ بل دفعتني مهنة المعلم إلى أن أقصد إلى هذا الجمع من التلاميذ لأتبين سره وغايته، وأعمل عندئذ بما يوحيه إلي واجب المرشد إزاء ما يستجلي من أمر.

لما تقدمت إلى الجمع صاح الفتى «الديموقراطي» بصوت أجش: إنها مئتان!! مئتان، قد نفدتا في هذا المكان. والله إنها مئتان! وأصوات الصغار تردد مقاطعة: هات واحدة؛ بل هات واحدة. إن لم نأخذ منك ولا واحدة!

ولما رآني الفتى مقبلا عليه مد إلي يمينه من فوق رءوس هذا الجمع بشيء مما معه، فتبينت إذ ذاك أنها كراسة بيضاء عليها إعلان لإحدى دور الصور المتحركة، وأن الصغار يتهافتون ليصيبوا من هذه الكراسات التي توزع بلا ثمن، وأن الفتى المنكود المكدود يقوم بما سخر له من توزيع الإعلان بذمة ونشاط. •••

حينئذ بدد ضياء الحقيقة ما هجس في خاطري من سوء الظن، وفاضت نفسي بعطف سابغ حول هذا الجمع البريء، وتمنيت لهؤلاء الصبية الصغار الذين هم عقول المستقبل، وضياؤه وعدته، أن يدنيهم هذا المستقبل من ذوي الأذرع العاملة المنتجين، فيلتفوا حيال الديموقراطية، إيمانا بما عندها من خير وثمر، كما يلتفون اليوم حول واحد من ممثليها التعساء، ويتخاطفون بغبطة ما تمده إليهم يده المنتجة العاملة!!

| فكر سجين

القاهرة في 28 من نوفمبر سنة 1925

بعد يوم كد فيه الذهن ونصب، وبعد ليل قضيت بعضه في حوار عنيف، يثير في النفس هما، ويغريها بجهود. عدت إلى داري بنصيب من الحمى، لا أدري أهو عند أهل الطب ما يسمونه حمى الأوصاب، أم هو ضرب من ضروب الاضطراب؟ تلقيه إلى جنبات هذا الجسم أمواج في النفس، فتظهر ما في قرارها من عناصر الألم، والاشمئزاز، والثورة علي ما يغيظ ويوجع من حوادث هذا الوجود. •••

خطرات نفس · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ٣٢