تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد بين لنا التاريخ أن كل عصر من العصور لا يخلو من جدل عنيف بين رجال طائفة بعينها. فقديما تجادل رجال الدين فيما بينهم، وقديما تجادل رجال العلم فيما بينهم، وقديما نزع بعض رجال الدين إلى أن يخرجوا بعضا آخر من حظيرتهم، وقديما نزع بعض رجال العلم ألا يعترفوا بعلم آخرين خالفوهم في رأيهم، ونظروا إلى الأمور بغير نظرهم.

ولم يكن منشأ هذا الجدل العنيف الذي يخل منه عصر، ولم تتبرأ منه أمة إلا قصر الأنظار وضيق الصدور.

كأن الجامدين من أهل العلم، أو من رجال الدين قد لا تصل أبصارهم أحيانا إلى لآلاء تلك الحقيقة التي يتألق بها كل شيء في الوجود، والتي تظهر أن طرائق الإفهام تتحول. وكأن في آذانهم وقرا، فلا يسمعون صدى المنطق السليم، يردد أن رحاب الدين الحق واسعة، وأن رحاب العلم الحق واسعة، وكأنهم يحسبون أن القوالب التي صبوا فيها آراءهم حينا من الدهر، تظل على حالها رغم كر الدهور ومر السنين. •••

إن من أهل الدين من يعرف لله تعالى أسماءه الحسنى، فيصفونه بالرحمة، ويصفون رحمته بالسعة، ولكنهم يحدون أفقها بمقياس أبصارهم القصيرة. وان أهل العلم ليعرفون أن حبل العلم ممدود وأن مداه غير محدود، ولكنهم قد يتعنتون أحيانا، فلا يريدون أن تسمو الأنظار إلى رقبى ما هو محتمل.

ولو أنصف أهل الدين وأهل العلم جميعا؛ لرأوا أن للدين الصحيح وللعلم الصحيح رحابا؛ يستطيع أن يأوي إليها كل وارد، وأن يلجأ إلى ميادينها كل قاصد من غير اصطدام، أو زحام.

ألا أيها الجامدون لا تضيقوا رحابا، بسط الله جنباتها للواردين، ولا تسدوا أبوابا فتحها الله للقاصدين.

| الغيبة والبهتان

القاهرة في 8 من أغسطس سنة 1925

رذيلتان فاشيتان في الناس، ترتكزان على أسوأ خلال البشر، وأكثر ما تعتمدان عليه: الجبن، والحقد، والحسد.

رذيلتان إحداهما مثلها مثل الوقح، الذي لا يبالي أن يستر أمام الغير ما به من مظاهر القحة والسماجة، ولا يستحي أن يبرز أمام الأنظار بما يلابسه من عيب ظاهر. والأخرى مثلها مثل اللص الذي يتلمس لنفسه من الظلمات مخبأ يسكن إليه بما سلب، وهناك يلقى غنيمته، ويدور ببصره فيما حوله من الخوف، وتجحظ عيناه من الحذر، وكلما ذكر أنه سارق دق فؤاده فزعا وجزعا.

أما الرذيلة الأولى فهي رذيلة الغيبة، وهي أن تقول في الناس من خلفهم ما يؤذيهم ولو كان حقا.

وأما الثانية فهي رذيلة البهتان أو الاختلاق، وذلك أن تقول في الناس ما يؤذيهم، وأنت تعلم أنك غير صادق فيما تقول. •••

للإنسان أن يستمتع بين من يعيش فيهم من الناس بحسن السمعة، وباحترامهم له، وبعطفهم عليه؛ وذلك لأن الإنسان مدني، ومن طبيعة المدنية أن يعايش الإنسان بني جنسه، ويعني بتقديرهم إياه، وصلتهم به، ورعايتهم له.

لكن لهذا الإنسان نزعة الفرد، وحق الفرد، وحرية الفرد، وهو يريد أن ينعم بذلك الحق في مدى واسع، لا يفقد معه حقه المتصل بنتائج مدنيته من عطف، وتقدير، وصلة، ورعاية.

على ذلك يكون من الخير وحسن التوفيق أن يحتفظ الإنسان بحقه الفردي في الحرية، وبحقه المدني في حسن الصلة بالناس.

وعلى ذلك أيضا لا يكون من الخير في شيء أن تسيء إلى أحد في سمعة حسنة اكتسبها، وليس من الخير في شيء أن تحول عنه شعورا عاما تألف لحبه.

وليس من الخير أن تخلق النفرة بينه وبين بيئته، أو تجعل التقاطع بينه وبين عشيرته، وليس من الخير أن تحول بينه وبين إشراق وجوه تلقاه بتحية وابتسام.

إنك إن فعلت كنت مغتابا، وما كان الله ليرضى عمل المغتابين. •••

رب مغتاب يلبس مسعاه مسعى الأخيار، وينتحل المعاذير ليتشبه بأهل الحق، فيقول: إني أظهر للناس عيبا في أحدهم، قد خفي عليهم، وأظهر للناس صورة ما كانوا ليعرفوها على وجهها الصحيح.

ولو أن هذا المغتاب يريد الخير صدقا لأتخذ الوداد، قبل المخاصمة والعناد. وأخذ بأسباب الإصلاح قبل أن يشهر العداوة والسلاح، ولأسر له النصيحة فيما يرى من العيب قبل أن يفشيه جهرا وعلانية، فلربما كان في إفشاء العيب رذيلتان: رذيلة الاغتياب، ورذيلة الإفشاء. •••

خطرات نفس · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ٢٩