تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجمال متكبر قاهر، متكبر؛ لأنه يجل عن أن يقدمه للنفوس أحد، فهو يعرف نفسه بنفسه. قاهر؛ لأنه يغلب الأنفس القوية على أمرها، فيوقع في أسره من شاء، ويتخير لرقه من شاء.

الجمال كالله وكالقوى الخفية من حيث أنها لا تعرف بذواتها، ولكنها تعرف بآثارها.

الجمال صحراء واسعة لا حدود لها يضل فيها الساري من أي ناحية سار، ولكنه أينما سار وجد فيه جنات ونعيما.

الجمال كتاب عظيم وضعه مزين السموات والأرض القادر على كل شيء.

الجمال ضرب من الأدب، فهو رواية طويلة لا تنتهي فصولها، ولا يتعب ممثلها، ولا يمل شاهدها.

الجمال ضرب من المنطق والمعقول مقدماته العين، أقيسته الفؤاد، ونتائجه الوجد والهيام.

الجمال عبده صالح لله، فلا يطلب إليك في حضرته إلا أن تسبح لمولاه.

الجمال معنى طلق، لا يريد أن يحد، ولا يريد أن يعرف؛ لأن الحدود والتعاريف من سفاسف الأمور، والجمال لا يتصل بهذه السفاسف.

الجمال معرفة، والله أعرف المعارف، وبينما كنت مغرقا في شدة الإعجاب بهذا الفن، تاركا لذاكرتي أحيانا أن تتمثل بعض أوان من المرمر، أخرجت من مصر أخيرا من مقابر الملوك، وحبست في دار الآثار في قفص من زجاج، بينما أنا كذلك أنعم النفس بمقارنة الجمالين، وأتخيل شيئا رأيته على ضفاف النيل، وأمعن النظر في شيء أراه على جانب صخرة (الأكروبوليس). إذ أقبل الحارس الأعرج، وكان ينبغي أن أشعر بمقدمه من بعد؛ لما يحدثه صوت قدمه وهو يمر بتثاقل على حصى الممشى لولا إغراقي في ضرب من الخيال.

ضحك الحارس في وجهي، ودمدم بكلمات يونانية، فهمت منها عبارة الجمال، وأشار بالانصراف. تبا لك أيها الحارس، لقد قطعت علي عبادة حارة خالصة.

| وقفة بالحصن المقدس

| العرق دساس

أثينا في 4 من يوليو سنة 1923

خرجت وقد قنعت من زيارة الأمس بالاستمتاع بدقة الرسم المنخوت على رأس العمود الملقى بين الأحجار على جانب أحد طريقي «الأكروبولس». وكان لتلك الزيارة أثر رغبني في الفن والحسن، حتى أخذني هيام وولوع بالجمال. آليت على نفسي بعد ذلك اليوم أن أتجمل، فقلت والله لأقصرن شاربي، وأرجلن شعري، وأعطرن لباسي. ووالله لأجرؤن في سبيل التأنق، فأثبت على صدري زهرة غضة، وأزين أظافري، وأضع في أصبعي خاتما يتلألأ نوره، وأرسل على صدري سلسلة من الذهب البراق، وأمشي بوطء خفيف عندما يحسن الوطء الخفيف، وأسير مرحا عندما يحسن السير مرحا.

لا أريد أن يكون شفيعي بين سبيل التأنق وفرة مال، فالمال حقير. ولا أريد أن يكون شفيعي في سبيله علما، ففي العلم باطل وغرور. ولا أريد أن يكون شفيعي في سبيله جاها وحسبا، فالمرء ابن نفسه، وكل امرئ عن نفسه مسئول. حتى ولا أريد أن يكون شفيعي في سبيله ملكا، فالملك لله جميعا. إنما رضيت أن يكون شفيعي في سبيله عبوديتي وخضوعي لرب الحسن والجمال، أعبده مخلصا لوجهه العبادة، ولقد كان من عبادة آلهة الغابرين منذ القدم أن يتشبه الإنسان ببعض أوصافها.

أخذتني تلك النشوة؛ بل أخذتني تلك الجذبة، وأخذت أقول في نفسي: الجمال فضيلة، ومن الخير أن يعمل الإنسان الحيلة ليتصل بجميع الفضائل، ثم شرعت في الذهاب إلى حانوت لأبتاع منه بعض ما أستعين به على التجمل والتأنق.

طلبت إلى صاحب الحانوت أن يعرض علي أثمن ما عنده من العصا دون أن يحسب للاتفاق حسابا، وبينما هو يعرض على أرشقها وأظرفها شكلا، إذ حانت مني التفاتة إلى عصا غليظة، خلت من الحسن، ولكن ملامح البأس والمتانة تبدو عليها، فلم أرد البصر عنها حتى انتزعتها من بين أخواتها، ثم عجمت عودها، فهززتها بعنف، واتكأت عليها بقوة، ثم مثلت عندي فضيلة المتانة، وما أطيب المتانة في الجسم، وفي الخلق، وفي العصا. •••

عفوا يا ربة الحسن إذا لم أف بالعهد، فخنثت في خلفي، وعدلت عن سبيلك إلى سبيل رب القوة.

خطرات نفس · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ١٧