تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكن محافظا جامدا إن شئت. تريد أن تحيى على ما وجدت نفسك عليه؛ لأنك ترى الخير كل الخير في حياتك، فتحارب كل هدام، وتقف في وجه كل جديد؛ لأنك لا ترى خيرا في الهدم، ولا ترى خيرا في الجديد. ولكن حذار أن تكون طفيليا، تمر بك الحياة، فتأخذ منها دون أن تؤدي إليها. واعلم أن حياة ذات قصد تعتمد على الفكر لهي شريفة لنسبتها للفكر والقصد والعمل. وأن حياة لا قصد لها إلا الأنانية، ولا يوجهها فكر من الأفكار، لهي حياة منحطة حقيرة. واعلم أن خير العيش أن تعرف أن الحياة حق، وأن التقدم المعقول حق، وأنه من الواجب عليك أن تشترك بشيء من جهودك في هذا التقدم المعقول. بذلك تدخل في عيش الأبرار، وقد تتوصل منه إلى عيش العظماء والأطهار، فاعمل لغيرك واعمل للتقدم دائما.

| في شم النسيم

القاهرة في 13 من إبريل سنة 1923 ... وكانت أكثر الحوانيت مغلقة في ذلك اليوم. حتى حانوت صاحبي الحلاق الإيطالي، حتى حانوت الأرمني بائع الدخان الذي كنت أحسبه مفتوحا، فقصدت إليه لابتاع من بضاعته ما اعتدت أن أشتري. وبينما أنا أضرب في المناهج الوسطى في المدينة كنت أجد أحيانا جماعات من نساء الفرنجة ورجالهم، أو ممن تشبهوا بهم من الشرقيين يتأهبون لركوب المركبات والسيارات ومعهم صناديق فيها طعام وشراب. وكانت رياح حفيفة تهب أحيانا على وجهي فترمي عليه مما كانت تحمله من خلاصة الرمل والطمي. وكنت كلما تنحيت لأنجو من أثر العفر، أو كلما أخرجت من جيبي خرقتي أمسح بها وجهي وعيني، كنت كثيرا ما أتذكر النيل والصحراء، وكلاهما مصدر لهذا التراب. وفي هذا التراب خير مصر من تبر ونبت، ينعم به أهلها الزارعون، وينعم أهلها الحاصدون.

ولكن خاطرا قد تولد في ذهني من إجماع أهل الأديان والأجناس المختلفة على أن يحتفلوا بيوم شم النسيم.

لقد رأيت مرة بينما كنت أسير خلف دار الأوبرا صبية من لمامي أعقاب السجاير يرتعون ويلعبون. فوقفت في ناحية لأنظر إلى مرحهم، وأضحك من هذه السذاجة الرثة اللاعبة ... وبينما كانوا في شغلهم إذ أقبل عليهم صغير من مساحي الأحذية، ووضع صندوق عدته بجانب الجدار، ونسى واجبه من السعي على الرزق، وأخذ يلعب هو الآخر مع نظرائه اللاعبين. وبعد قليل أقبل عليهم صغير رومي ممن يتجرون بالكعك والحلوى، فوضع بجانب صندوق المساح سلة تجارته وحيا الصغار بابتسامة، فحيوه بأحسن منها، ثم أخذ يشاطرهم أصناف اللعب من جرى ووثب. عندئذ أيقنت أن للطبيعة حكما أقوى من حكم الأجناس وأوضاع الحياة وشؤونها. إنهم صبية نسوا أن وراءهم أعمالهم التي يكسبون منها أقواتهم، ونسوا أنهم من أجناس ولغات وديانات مختلفة. نسوا كل ذلك، فجمع الصبا وشئون الصبا فيما بينهم، وعلى ذلك علا صوت الطبيعة على صوت الآراء الاجتماعية التي طالما كان من أمرها أن تفرق بين الناس، وطالما كان من أمرها أن تدعوهم للتنابذ والشقاق.

وكان الأمر كذلك في شم النسيم. فقد اجتمع أهل مصر على الاحتفال به، فأغلق صاحبي الحلاق حانوته. وأغلق بائع الدخان الأرمني حانوته، كذلك واجتمع الفرنجة والنصارى والمسلمون واليهود في مصر على أمر واحد، على تحية الربيع وتفريح النفس بمقدم الربيع.

وكم من صوت للطبيعة يدعو الناس للتقرب، ولكن الأفكار الفاسدة ووساوس القلوب المعتلة طالما سمعت للتفريق.

| عيد آمنة

القاهرة في 19 من مايو سنة 1923

إنها قطعة من النسيج الرقيق في نحو المترين، ولم تكن لتصلح لشيء مذكور، تلك القطعة التي بقيت من جلباب لسيدة من سيدات الدار. اتفقت فتيات البيت على أن يجعلن من تلك القطعة رداء لآمنة لتلبسه في يوم العيد. •••

آمنة فتاة صغيرة في نحو الثامنة من العمر، قصيرة القامة، مليئة البدن، بسامة الوجه، مشرقة الجبين. ولقد أبقتها أمها القروية عندنا لتترعرع في حضانة من في الدار، فهي أصغر من في البيت سنا، وهي صديقة للبيت ولمن في البيت. وهي ابنة للجميع، وخادمة أمينة للجميع.

خطرات نفس · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ١٣