إنَّ من أخطر ما أصيب به المسلمون في كثير من أعمالهم أن معظمها صار[ ردود أفعال] فما إن تشتعل في قلوبنا حتَّى تنقطع من جديد ؛ لأننا ـ غالباً ـ نتحرك بلا هدف ولا تخطيط ؛ فالأحداث تُسَيِّرُنا وتفرض نفسها علينا ، وكثير منَّا لا يُكَيِّفُهَا حسب خطة عمل ، أو يوظفها لصالحنا،
لذا أضحت أفعالنا وقتية ، وتحركاتنا آنية . ولا شكَّ أنَّ هذا خلاف العمل المتكامل ، وكثير من علماء الإدارة يوصون بكلمة قصيرة لكن معناها عميق وهي [ابدأ والنهاية في ذهنك].
إن النجاح الحقيقي أن يعرف الإنسان هدفه في الحياة ، وهدفه من العمل الذي يريد تحقيقه ، ثم يسعى لذلك مرتباً لكل مرحلة منهجيةً يسير عليها، ومعالم يستنير بها ، فلا يكون حاله كحال كثير منَّا يعمل متحمساً في البداية ثم ينقطع في آخر الشوط ، فلم يفلح ولم يصلح . وقد نهى الله عن ذلك بقوله:[ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا] النحل[92] .
إنَّ من أهمِّ الأمور التي وصَّانا بها علماؤنا أن يكون للإنسان في ما يريد فعله عزمة بداية ، وعزمة نهاية ؛ فتكون شرارة توقد البداية ، وعزمة تستمر للنهاية .
قال الإمام ابن رجب ـ رحمه الله ـ " العزم نوعان: أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق، وهو من البدايات. والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها ، وعلى الانتقال من حال كامل ، إلى حال أكمل منه ، وهو من النهايات... وعون الله على قدر قوة عزيمته وضعفها ، فمن صمَّم على إرادة الخير أعانه الله وثبَّته، كما قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم *وتأتي على قدر الكرام المكارم)
(مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي ، تحقيق طلعت الحُلواني، 1/344)