وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه : «ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب» « أخرجه الترمذي.» .. وقال عنه : «ملئ عمار - رضي اللّه عنه - إيمانا إلى مشاشه « أخرجه النسائي.»» .. وعن حذيفة - رضي اللّه عنه قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : «إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما - واهتدوا بهدي عمار. وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» « أخرجه الترمذي.».
وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول اللّه .. عن أبي موسى - رضي اللّه عنه - قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - من كثرة دخولهم على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - ولزومهم له» « أخرجه الشيخان والترمذي.».
وجليبيب - وهو رجل من الموالي - كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار. فلما تأبى أبواها قالت هي : أتريدون أن تردوا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - أمره؟
إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. فرضيا وزوجاها « من حديث في مسند الإمام أحمد عن أنس.».
وقد افتقده رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه .. عن أبي برزة الأسلمي - رضي اللّه عنه - قال : كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - في مغزى له ، فأفاء اللّه عليه. فقال لأصحابه : «هل تفقدون من أحد؟» قالوا : نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال : «هل تفقدون من أحد؟» قالوا : نعم. فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال : «هل تفقدون من أحد؟» فقالوا : لا. قال : «لكني أفقد جليبيبا» فطلبوه ، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فأتى النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - فوقف عليه ، ثم قال : قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه. هذا مني وأنا منه. ثم وضعه على ساعديه ، ليس له سرير إلا ساعدا النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - قال : فحفر له ، ووضع في قبره ولم يذكر غسلا « أخرجه مسلم. ».
بذلك التوجيه الإلهي وبهذا الهدي النبوي كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد. ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء ، طليقا من قيود الأرض ، بينما هو يعيش على الأرض .. وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام. المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله ، وبعمل رسول. والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند اللّه ، وأن الذي جاء به للناس رسول! وكان من تدبير اللّه لهذا الأمر أن يليه بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - صاحبه الأول أبو بكر ، وصاحبه الثاني عمر .. أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر ، وأشد اثنين انطباعا بهدي رسول اللّه ، وأعمق اثنين حبا لرسول اللّه ، وحرصا على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه.