قال: وفي كتاب ابن بكير الذي أعطاني عن ابن يزيد بن أسلم، عن أبيه قال:
لما استبطأ عمر بن الخطاب عمرو بن العاص في الخراج كتب إليه أن ابعث إلي رجلا من أهل مصر، فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين كان لا يؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له كأنه لا يريدها إلا لعام واحد، فعرف عمر ما قال وقبل من عمرو ما كان يعتذر به. ا.ه.
فيعلم من ذلك كله أن المورد الأساسي للإيرادات التي كان يجبيها عمرو بن العاص ومن جاء بعده من الحكام، كان بلا جدال الجزية التي كانت مفروضة قبل الفتح الإسلامي بمدة طويلة - أي في عصر الرومان والبيزانطيين - وكان هؤلاء يفرضونها على الأهالي بلا شفقة ولا رحمة، مع زيادتها عن الجزية التي فرضها العرب؛ إذ كانوا يجبونها من جميع الناس، بلا فارق بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى.
ولم تكن عندهم قيمة الجزية محدودة معينة، بل كانت تزيد وتنقص تبعا لفيضان النيل، وهاك ما ذكره ماركاردت في هذا الصدد (ص250 المذكرة الأولى) عن العهد الروماني:
إن قيمة الضرائب الشخصية لم تكن بنسبة واحدة في كل الأعوام، بل كانت تحدد سنويا بحسب ارتفاع النيل الذي يعتبر ميزانا لإيرادات مصر. ا.ه.
وأما عن عهد البيزانطيين فقد ذكرت الآنسة رويارد
Ms. Rouillard
عنه (إدارة مصر المدنية في عصر البيزانطيين ص70) ما نصه:
إذا اطرحنا الضريبة العقارية جانبا، فهل نعثر بين الضرائب الشخصية المقررة في مصر في عهد الإمبراطورية الرومانية الشرقية على ضريبة الأنفس (الجزية) وضريبة أرباب الحرف والصنائع، أو لا؟
والجواب على ذلك أن ضريبة الجزية في هذا العهد أدت إلى مجادلات نظرية فيما يترتب على وضعها، وقد أثارت فوق ذلك مناقشات خاصة بأحوال مصر. ا.ه.
ويرى أتو سيك
Otto Seeck
أن الجزية لم تقرر في مصر في القرن الرابع، ومن المحتمل أنه استعيض عنها بضريبة شخصية أخرى.
ويوافق ي. ولكن
U. Wilcken
على هذا الرأي، وهو يرى أنه استعيض عن الضريبة القديمة
2
λαογραφία
بضريبة شخصية على الرءوس، وهذه هي نفس الضريبة التي تحقق وجودها في عصر العرب تحت اسم
διάγραφον (الجزية)، ومع ذلك فقد وجد في عهد البيزانطيين بعض نصوص ذكرت فيها ضريبة تسمى
διαγραφή
أو
διάγραφον ، فإذا وافقنا ه. ي. بل
H. I. Bell
على وجود روابط متينة بين النظام المالي في عهدي البيزانطيين والعرب لدرجة أن هناك مماثلة تامة بين ضرائب كلتا الدولتين، يذهب المرء إلى أن يحكم بطريق الاستنتاج بأن الضريبة المسماة
3
διαγραφή
التي كانت في القرن الرابع؛ هي ضريبة شخصية يعادلها في مصر ضريبة الأنفس أو الجزية في العهد البيزانطي الأخير.
غير أنه تأتي فيما بعد أن زاد عدد الذين اعتنقوا الإسلام، سواء أكان ذلك جرا لمنفعة أم اعتقادا بصحة الدين الإسلامي؛ فنشأ من ذلك أن هوت الجزية إلى مبلغ 130000 دينار فقط؛ أي 78000ج.م بعد أن كان عمرو يجبي من هذا الباب في صدر الفتح الإسلامي من ستة ملايين من الأنفس 12000000 دينار (7200000ج.م) كما ذكر ذلك القاضي الفاضل في متجددات الحوادث عن سنة 587ه/1191م (انظر خطط المقريزي ج1 ص107).
وهذه الحالة أزعجت حكام الأقاليم، حتى إن بعضهم استمر في تحصيل هذه الجزية دون أن يستثني أولئك الذين اعتنقوا الإسلام حديثا ، ولما كان ذلك مخالفا للشرع الإسلامي لم يوافق عليه الخلفاء، وهاك ما قاله ابن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر» ص151 وما يليها عن الجزية:
كان عمرو يبعث إلى عمر بن الخطاب بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه، وكانت فريضة مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب؛ لحفر خلجها وإقامة جسورها وبناء قناطرها وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا، معهم الطور والمساحي والأداة يعتقبون ذلك لا يدعون ذلك شتاء ولا صيفا. ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن يختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، ولا يضربون على النساء ولا على الولدان، ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين في لبوسهم.