تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيوب وخلد بن حميد قال: ففتح الله أرض مصر كلها بصلح غير الإسكندرية وثلاث قريات ظاهرت الروم على المسلمين؛ سلطيس، ومصيل وبلهيب، فإنه كان للروم جمع فظاهروا الروم على المسلمين، فلما ظهر عليها المسلمون استحلوها، وقالوا هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية، فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: أن تجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث قريات ذمة للمسلمين، ويضربون عليهم الخراج، ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط كله قوة للمسلمين، ولا يجعلون فيئا ولا عبيدا. ففعلوا ذلك إلى اليوم. ا.ه.

ويستنتج من تلاوة ما تقدم أن عمر بن الخطاب أبى أن يجيب مطالب أولئك الذين كانوا تحت إمرة عمرو من مصادرة الأراضي وتقسيمها بينهم، وأنه تركها لذويها وفرض عليهم الخراج.

وبما أنه لم يذكر في حكمه هذا الأسباب التي حملته على إصداره بطريقة واضحة، فقد أدى ذلك إلى حدوث الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه بين مختلفي المؤلفين؛ إذ يرجح أنه بناه على ما له من الحق المخول له من الشريعة في اتخاذ ما تقضي به المصلحة، كما يحتمل أنه بناه على أن البلد سلم بموجب معاهدة، ونحن نرى أن هذه المسألة تفسر بالطريقة الآتية، وهي: إن فتح العرب لمصر تم في طورين:

الأول:

يبتدئ من وقت الإغارة عليها وينتهي بإبرام المعاهدة مع المقوقس، وكانت مصلحة الروم فيه مرتبطة بمصلحة القبط، كما كان العرب في حالة حرب مع الاثنين بلا نزاع.

والثاني:

يبتدئ من إبرام المعاهدة مع المقوقس وينتهي بالاستيلاء على الإسكندرية، وفيه فصل العرب القبط عن الروم، فظلوا في حالة حرب مع هؤلاء، وعدوا القبط مرتبطين بالمعاهدة التي أبرمت مع المقوقس فكفوا عن قتالهم.

وما ذكره ابن عبد الحكم في كتابه بالصفحة 70 وما بعدها حجة يركن إليها في هذا الموضوع، قال راويا عن عثمان بن صالح:

حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن ميمون الحضرمي قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صالح عن جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف. قال: وحدثني عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن المقوقس صالح عمرو بن العاص على أن يفرض على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم.

ثم قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه. وكتبوا به كتابا وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتابا يعلمه على وجه الأمر كله، فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه ويرد عليه ما فعل، ويقول في كتابه: إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم في حال القبط أذلاء، ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكون لك رأي غير ذلك. وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم، فقال المقوقس لما أتاه كتاب ملك الروم: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا، ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء وكيف صبرنا معهم؟ واعلموا معشر الروم والله إني لا أخرج مما دخلت فيه، ولا صالحت العرب عليه، وإني لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى رأيي وقولي وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني؛ وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه، ويحكم أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة؟

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآنص ٤٧