وتظهر الدراسة كيف أن حرفيي الغرب الإسلامي ساهموا في تطوير صناعة النسيج في العديد من مناطقه، بل وأدخلوا أساليب جديدة عليه، بعد أن أدخل الصناع المسلمون دود القز إلى صقلية لصناعة الحرير بها، بالإضافة لصناعة الورق عن طريق المسلمين الفاتحين، كما كان لصناع المغرب دور في ازدهار صناعة الورق بالأندلس، خاصة خلال القرن الرابع الهجري، ومنها انتقلت إلى معظم بلدان الغرب المسيحي، فأنتج صناعه الورق الملون في العصر المرابطي.
ورصدت الدراسة كيف أن بلدان الغرب الإسلامي تميزت بإنتاج أنواع معينة من المنسوجات اختلفت عنها في باقي المدن؛ فانتشرت العديد من مراكز الصناعة، التي لاقت شهرة واسعة، بإنتاجها نوعيات فريدة ومتميزة خاصة مراكزها الحريرية، بإنتاج المنسوجات الحريرية، كالقابسي، والتلمساني، والثياب السفسارية، والوطاء البسطي، والثياب السرقسطية، والحرير السيراكوزي، فضلا عن مراكزها الصوفية، فمن جملة الثياب الصوفية التي عرف بها الغرب الإسلامي الثياب السوسية، والأكسية العبيدية، وثياب الصوف التلمسانية، والقماش الدرجيني، الأشكري أو الإشكرلاط، والوطاء الجنجالي، والبسط التنتالية . وكذلك مراكزها القطنية، فصنعت جملة من المنسوجات القطنية كالقماش السفساري. هذا بخلاف مراكزها الكتانية، التي انتشرت في العديد من المناطق فأنتجت، كالقماش الأفريقي الذي اعتبر من أحسن كساوي المغرب، والثياب السوسية المهدوية، والثياب الرفيعة السوسية، بالإضافة للمناديل المقاومة للنار من الكتان باستخدام نوع من الحجارة عرف ب «تاوطغيت» في درعة، كما بيع بأسواق نكور نوع من البرانس المقاومة للماء.
انقسمت دور الطراز في الغرب الإسلامي إلى: الطراز الخاص، وهو ما خصص إنتاجه للخلفاء والملوك. والطراز العام ووجه إنتاجه لعامة الناس والبلاط أيضا، وكلاهما خضع للمراقبة من قبل السلطة، حتى تستطيع تلبية احتياجات المجتمع الغرب إسلامي من منسوجات وثياب.
وأفادت الدراسة أن بلدان الغرب الإسلامي انتشرت بها العديد من الأسواق التخصصية للنسيج في مدنه وقراه، وكان من أشهرها: أسواق الغزل، وأسواق الأقمشة الصوفية وأسواق الصباغين والخياطين والبزازين والثياب والقراقين، والوزر، وأسواق الرهادنة، وسوق الجبة، والقشاشين، والأبارين، والمغازل، وخيوط الكتان، والحرارين، والمركطين. وخصص في بيع الثياب المستعملة الهبط، وسوق الورقة الذي خصص لتهيئة ورق التوت، وسوق التيالين وهو السوق المخصص لصناعة الغرابيل، بالإضافة لسوق البز، وربض الطرازين، وسوق الخيط، وسوق القرمز، وسوق السقاطين.
وأوضحت الدراسة أن الحركة التجارية في الغرب الإسلامي اتسمت في بدايتها بنوع من البطء التجاري الذي لم يساير القوى التجارية الموجودة آنذاك؛ مما دفعها لأن تلعب دور الوسيط التجاري في العديد من المبادلات التجارية بين البلدان الأفريقية والغرب المسيحي؛ حيث قامت مدن المغرب الأقصى بهمزة الوصل بين السودان والعالم الخارجي، وظلت علاقاتها التجارية مع الغرب المسيحي مفعلة وسارية - رغم فتورها في بعض الأوقات - عن طريق عقد المعاهدات والاتفاقيات التجارية بين السلطات لتوفير الظروف المناسبة لاستمرار تلك العلاقات والعمل على تنشيطها.
وبينت الدراسة أن التواصل التجاري للنسيج للغرب الإسلامي امتد إلى بلاد الهند والصين، وساعد على هذه الصلات التجارية بعض المدن المشرقية، التي لعبت دور الوسيط في بعض الأحيان كمدينة البصرة العراقية. كما أظهرت الدراسة وجود علاقات تجارية رصينة منذ زمن طويل مع مصر تركزت على المواد الخام النسيجية من كتان وحرير، بالإضافة إلى المنسوجات الأخرى، عن طريق موانئ الغرب الإسلامي والموانئ المصرية وبخاصة الإسكندرية.