وتضخمت كلمة المهدي في المغرب على يد البرابرة، فقد ضاقوا ذرعا بظلم الحكام وتعصبوا ضد عصبية غيرهم، وإن كانوا أيضا قد تعصبوا للإسلام، وأذاقهم بنو الأغلب من العرب سوء العذاب؛ ففرضوا عليهم الضرائب الكثيرة التي لا قدرة لهم عليها، حتى ضجوا بالشكوى فلم يسمع لهم فانتهز الشيعة هذا الوضع، ودعوا للاستقلال عن الدولة العباسية، وأذاع الشيعيون فيها فكرة المهدي ووضعت الكلمة على لسان رجل ماهر اسمه أبو عبد الله الشيعي. يدعو للمهدي المنتظر ويبث فيهم مذهب الإسماعيلية، ويحمسهم للحرب، فقاتلوا قتالا شديدا، وأخيرا تغلبوا على عمال العباسيين وطردوهم، وأخضعوا أكثر بلاد المغرب لحكمهم، وضربوا السكة باسمهم، فجعلوا على أحد وجهي النقد «بلغت حجة الله»، وعلى الوجه الآخر «تفرق أعداء الله» وعلى السلاح «عدة في سبيل الله»، ووسموا الخيل بعبارة «الملك لله».
| الفاطميون
وظهر عبيد الله الملقب بالمهدي المنتظر، ثم نكل بالداعي وهو أبو عبد الله الشيعي كما نكل المنصور بأبي مسلم الخراساني وكما نكل الرشيد بالبرامكة.
ثم أسس المهدي بلدة تسمى المهدية نسبة إليه، وادعى هو وأبناؤه أنهم الخلفاء الصحيحون دون العباسيين، وقال شاعرهم:
هذا أمير المؤمنين تضعضعت
لقدومه أركان كل أمير
هذا إمام الفاطمي ومن به
أمنت مغاربها من المقدور
يا من تخير من خيار دعاته
أرجاهم للعسر والميسور •••
ومن نسل المهدي هذا كان المعز لدين الله الذي فتح مصر على يد جوهر الصقلي، وأسس القاهرة وسماها المعزية. وقد أقام هؤلاء الفاطميون في مصر حضارة عظيمة، ونشروا فيها التشيع وظلوا قرونا حتى أزال ملكهم صلاح الدين الأيوبي.
وانقسم المؤرخون من العرب والمستشرقين من الفرنج إلى قسمين: قسم يصحح نسبتهم إلى فاطمة، وعلى رأسهم ابن خلدون مدعيا أن الشكاك إنما نفوا صحة نسبتهم تملقا للعباسيين. وقسم يشك في نسبهم هذا معتمدا على ما روي من بعض الأقوال.
وكانت الدولة الفاطمية مصطبغة بالصبغة اللاهوتية، نقرأ في ثنايا سيرة خلفائهم ما لا نجد مثله في ثنايا سيرة الأمويين والعباسيين، وربما كان هناك كتابان كبيران يمثلان هذه النزعة الإلهية، الأول ديوان ابن هانئ الأندلسي، فإنه أولا مملوء بالمصطلحات الإسماعيلية كالدعوة والداعي كقوله:
أنت الورى فاعمر حياة الورى
باسم من الدعوة مشتق
ومثل كلمة العهد والتأويل والوصي ونحو ذلك، وفي الديوان نرى أصول الدعوة الشيعية؛ مثل ضرورة وجود الإمام في كل عصر، سواء كان ظاهرا أم مختفيا، وإن هذا الإمام لا بد منه لحفظ الشريعة، وتدبير مصالح الأمة كقوله:
إذا كان أمن يشمل الأرض كلها
فلا بد فيها من دليل مقدم
إذا كان تفريق اللغات لعلة
فلا بد فيها من وسيط مترجم
وآية هذا أن دحا الله أرضه
ولكنها لم ترس من غير معلم
لولاك لم يكن التفكير واعظا
والعقل رشدا والقياس دليلا
لو لم تكن سكن البلاد تضعضعت
وتزايلت أركانها تزييلا
ومثل الدعوة إلى الإمام علة وجود الدنيا، كما يقول:
هو علة الدنيا ومن خلقت له
ولعلة ما كانت الأشياء •••
هذا ضمير النشأة الأولى التي
بدأ الإله وغيبها المكنون
من أجل هذا قدر المقدور في
أم الكتاب وكون التكوين
وهذا الإمام جامع لجميع الفضائل والخيرات، جسده مبرأ من كل عيب وروحه سالم من كل نقصان، كما يقول:
فرغ الإله له بكل فضيلة
أيام آيات الكتاب تفصل •••
وروح هدى في جسم يمده
شعاع من الأعلى الذي لم يجسم
وهذا الإمام أمين الله وهادي الخلق ووارث الأرض وشفيع الناس، وفي ذلك يقول:
هذا أمين الله بين عباده
وبلاده إن عدت الأمناء
هذا الشفيع لأمه نأتي به
وجدوده لجدودها شفعاء
وهذا الإمام معصوم كالنبي لا يتصور من أذى، ولا تبدو منه زلة؛ لأنه ملهم من الله بأعظم درجات الإلهام:
من كان سيما القدس فوق جبينه
فأنا الضمين بأنه لا يجهل