تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع هذا السبق البعيد فإن الحضارة الحديثة لا تَزال واقفةً عند العصر الحجريّ في ضبط الغرائز، وترويضِ الحيوان الرابض داخل الجسم البشريّ، وكَبْحِ الأثَرَة المَسعورة، وجَعْلِ المرءِ يُحبُّ غيرَه ويَغار على حُقوقه، أو على الأقلِّ يَعْدِل مع غيره ويَعترف له بحقوقه طوعًا لا كَرْهًا!

وقبل ذلك فَشِلَتْ هذه الحضارة في التعرُّف على ربِّ العالَمين، وتأسيس علاقة صحيحة معه تقوم على توقيره، وتقدير نِعمته، والشعور بعَظمته، والتسبيح بحمده، والتعويل عليه في الأزمات، والاطمئنان إليه في المَخاوف.

إن الإنسان مهما قَوِيَ بالعلم لن يكون إلَهًا، وسَيبقَى ما عاشَ فقيرًا إلى سيده، لا يُحِسُّ طُمأنينةً إلا في السجود بين يديه واستلهامِه الرُّشْدَ.

لكن مِن أين تَطَرَّقَ الخلَل إلى هذه الحضارة حتى إنه ليُهَدِّدُ مُستقبلها؟

قد يكون الجواب: مِن غُرور الماديِّين بما وصَلوا إليه، واستهانتِهم بما قَصَّرُوا فيه. والغرورُ بالعلم داءٌ قديم، وقد حدَّثنا القرآن الكريم أن أُمَمًا عمَّرت هذه الأرض قبلنا، وأقامت بها مَدنيَّاتٍ فخمةً، وأنها انتَشَت بما تيَسَّر لها مِن لذَّة وسَخِرَت مما قُدِّم لها مِن نُصْحٍ، فماذا كانت عُقباها؟ (فلَمَّا جاءَتْهُم رُسُلُهُم بالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بما عندَهم مِنَ العِلْمِ وحَاقَ بِهِم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (غافر: 83).

والاعتزاز بالتقدم العلميّ مرضٌ مَخُوفٌ، بَيْدَ أني لا أردُّ إليه وحده عِوَجَ هذه الحضارة! السبب الأول ناشئٌ ـ فيما أرى ـ مِن خيانة أهل الأديان لرسالات الله، فالاسترخاء العقليّ السيئ عند المسلمين والغِشُّ الممجوج عند إخوانهم أهل الكتاب مِن وراء هذا البلاء!

أهل الكتاب قدَّموا مِن عند أنفسهم تعاليمَ نسبوها إلى الله، ضاقَ بهم العقل وتبرَّحت بها الفطرة، فلما نَشِبَ العِرَاك بين العلم والدين، كانت النتائج المعروفة: ألْحَدَ العلمُ وساءَ ظنُّه بالوحي كله،

مائة سوأل عن الإسلام · الصفحة ٤١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مائة سوأل عن الإسلامص ٤١٦