وقد رأيت عابِدِين في أفكارهم ـ لا في قاماتهم ـ قِصَرٌ فشعرت بخيبة الأمل، لأن هؤلاء العابدين كانوا بلاءً على دينهم، وربما ضرُّوه من حيث أرادوا نفعه، لأنهم كالدُّبَّة التي قتلت صاحبها!
يُصقَل العقل خلال مراحل الدراسة المُتَتابِعة، ويُصقَل العقل بالحفاظ على سلامة الحواس وعافية البدن. ويُحفَظ بازدراء المسكِرات والمخدِّرات والمفتِرات التي تنال من وعي المرء وكرامته. ويُحفَظ قبل ذلك وبعده باستلهام الرشد واستمداد النور منه سبحانه! وقد وردت في ذلك توجيهات كله من الكتاب والسنة يطول سردها.
وننتقل من صَوْن العقل إلى صون النفس.
إن احترام الإنسانية كلها يبدو في احترام فرد واحد، قال تعالى: (من أجل ذلك كتَبْنا على بني إسرائيلَ أنه من قتَل نفسًا بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنما قتَل الناسَ جميعًا ومَن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا) (المائدة: 32).
وجاء الإسلام فجعل النفس الإنسانية أقدس من الكعبة المشرفة ومن الأشهر الحرم؛ قال عليه الصلاة والسلام: "... ألا وإن اللهَ حرَّم عليكم دماءَكم وأموالَكم كحُرمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا، ألا هل بلَّغتُ؟" قالوا: نعم. قال: "اللهم فاشهَد" ثلاثًا "ويلكم لا تَرجِعوا بعدي كفّارًا يَضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ".
ونظر عبد الله بن عمر إلى الكعبة وقال: ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. حرمة دمه وماله وعرضه!
ومقتضى الإيمان ألا يكون المؤمن مصدر إفزاع أو ترويع لغيره، ومن جوامع الكلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمانُ قَيدُ الفتكِ، لا يَفتِك مؤمن" يعني: كما تَربِط الأغلالُ يدَي الرجل فلا يَقدِر على عمل شيء، يُقيِّد الإيمانُ يدَي المؤمن فلا يعتدي على نفس، المؤمن أشرف من أن يفتك بأحد!
وفي الحديث كذلك: "قتلُ المؤمن أعظمُ عند الله من زوال الدنيا".