لم يشهد التاريخ مثل الوؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، فلم يتم الأمر من خلال القمح والإرهاب ، ولا من خلال الإستيلاء على السلطة ، والتأميم للأموال المنقولة وغير المنقولة ، لقد كان تشريع المؤاخاة الذي تم بإشراف الرسول صلى الله عليه وسلم وبأقصى ما يملك المتآخون من رغبة واندفاع للتنفيذ . هي النموذج الحي للحكم على مستوى الدعاة في الأرض اليوم ، ومدى قدرتهم على أن تتمثل فبهم هذه الروح الأخوية .
لقد أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المؤاخاة بنفسه ، وقال : (( تآخوا في الله أخوين أخوين )) .
ولم يكن الأمر وعظاً عاماً ، وكلاماً جميلاً تُبح الأصوات فيه ، ولا ينتج عنه إلا الصداقة النادرة ، والمرتبطة بالمن والأذى إنما كانت خطوة عملية حية ، قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذها وتحديد التآخي المباشر بين كل أخ مهاجر وأخ أنصاري . وتتجلى في هذه المؤاخاة مواقف بطولية لم يزل يذكرها التاريخ مواقف رائعة فيها كل معاني التضحية والوفاء والكرم ، ونذكر من هذه المواقف ما يلي :
31ـ موقف عبد الرحمان بن عوف ، وسعد بن الربيع :
قدم عبد الرحمان بن عوف إلى المدينة مهاجراً ، فآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فعرض سعد بن الربيع على عبد الرحمان أن يناصفه أهله ، وماله فقال له عبد الرحمان بن عوف : بارك الله لك في أهلك ، ومالك . دلني على السوق ، فذهب إلى السوق وباع واشترى حتى ربح كثيراً حتى أنه قال عن نفسه : ولقد رأيتني ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضة .