تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في سورة الأنفال سر عظيم في أن تبدأ السورة حديثها عن هذه الغزوة المباركة بما حدث للصحابة رضي الله عنهم من خلاف حول ما نفلهم الله تعالى به من مال لقريش.

هذه البداية في الحديث هي النهاية في الحدث، ولما كان السرد القرآني له أهمية في توافقه مع جوهر العقدة التي تركب عليها القصة، كان لابدّ من أن يكون سرد قصة غزوة بدر مسبوقاً بقوله تعالى:- يسألونك عن الأنفال.

هذا نصر خارج إطار ميزان القوى، وعلى خلاف المعتاد في حياة البشر بدون عنصر الإيمان في إحدى الطائفتين.

وهذا نصر"أول" له بهجته وألقه وروعته.

وحين يكون كذلك فلابدّ أن تميل النفوس إلى ((النسيان)) فلا تسأل نفسها:- كيف كنا؟ ولكنها تستغرق في الفرح:- كيف صرنا؟!.

فالحديث عن النهاية في الإبتداء ثم شرح البدايات بعده ليكون التقويم والإرشاد والتسديد، وحين يأتي الحكم الذي يسألون عنه يكون الإقرار والرضا به أقوى وأدعى.

الصحابة رضي الله عنهم يسألون عن الأنفال لأنهم"هم" الذين نفلوه، وعلى أيديهم تحقق النصر، وبأيديهم تساقطت رقاب الأعداء، ويأتي"آخرون" يقولون:- نحن كنا الردء لكم فلنا حق فيه.

نعم هو حديث ألسنة، لكنه قبل الألسنة صنيع قلوب ونفوس.

يسألونك عن الأنفال.

ويأتي الجواب الرباني:- الأنفال لله وللرسول.

جواب يغيِّب تماماً الجنود، ويبعدهم عن المشهد كلياً، وينزع منهم هذا الحق الذي تخاصموا وتحامَوا عليه، فهو ليس لكم ولستم صانعيه وليس عليكم إلا:- ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾.

كلمات جامعة ذات تأثير إيماني رادع لهذه الخصومة الحاصلة بينهم، فأنتم تتنازعون فيما ليس لكم، فتلقاه النفوس المؤمنة بالخضوع والخشوع والإخبات والرضا.

ويذهب بهم الإرشاد الإلهي إلى أبعد من فضّ الخصومة حين يحمل المتنازع عليه من بينهم ويسلبهم التحامه والخصومة حوله لأنه ليس لهم إلى أفق الإيمان الأعظم، وإلى مراتبه العليا التي يريدها من هؤلاء الجند ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾

ولولا أن هذه الورقات فقط للحديث عن مهمة القرآن الكريم في سرد السير النبوية لوقفت كثيراً عند دلائل أخرى تحملها هذه الآيات، ولكن لا يفوت القارئ أن يبصر فيها عظيم فضل الصحابة ورفعة درجاتهم وتحققهم بهذه الصفات الإيمانية، وإن من أعظم الأدلة على ذلك قوله تعالى ﴿أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ فتأمل قول الله تعالى في قرن هذه المراتب الثلاثة بعضها ببعض، والتي سبقتها الدرجة الأعظم ﴿أولئك هم المؤمنون حقاً﴾ وهذا الإقتران بين الدرجات والمغفرة والرزق الكريم يجعل الترقب حاصلاً في النفوس، فهذا رزق كريم نفلناه فهل سيكون لنا منه شيء أم لا؟

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٩