﴿ويتخذ منكم شهداء﴾
هو نداء الله لعباده، إذ يحفزهم أن لا يهربوا من أي نتيجة في معاركهم ضد أعداء الله تعالى وضد أعدائهم، فإن كان النصر فهو ما تحبون، وإن كانت الأخرى فهي إصطفاء لكم لما يحب الله تعالى، فهلموا إلى الجهاد- ولاتهنوا ولا تحزنوا-.
قوله تعالى ﴿والله لا يحب الظالمين﴾
هذه الفاصلة القرآنية في هذه الآية كانت تشغلني وإلى الآن، فهي فاصلة تجبه عقلك وأنت سائر مع الخطاب الرحيم الرقيق الموجه للمؤمنين، وذلك بتسليتهم وتعليمهم وتثبيت أنفسهم، ثم تأتي هذه الفاصلة لتبين نفسية الرب وحكمه في الظالمين.
فلماذا؟
هذ هي تحذير رباني من الظلم، وهو الكيل بغير ميزان الحق السماوي، من أن يقع فيه المسلمون حين يقرؤون وقائع الزمان وقضايا الجهاد بعيون أخرى وموازين جاهلية؟
هل هي مقدمة لقرع الذين سيفصل الله لنا حديثهم بعد ذلك، حين قالوا عن أحد ونعمتها ما قالوا من الشر؟
هل هي تتلاءم مع السياق القرآني بأن ما وقع لكم إنما هو من حب الله لكم، وليس هذا للظالمين الذين حرمهم الله من الشهادة والإيمان؟
كل هذا وغيره مما يمكن أن يقوله المتأمل، ولكن: وفوق كل ذي علم عليم.
﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾
هذه نعمة أخرى من نعم أُحد العظيمة على المؤمنين، وهي نعمة يحتاجها المسلم في مسيرته، ويحتاجها المؤمنون أنفسهم، إذ أن المحن للمؤمن تقوية له، فهي تقويه وتزيده ثقة بدينه وبربه، وتعلمه الكثير من حكم الرب في الوجود، وتهديه سبلاً لا يهتدي إليها إلا من خلال هذه القروح التي تصيبه، فمن استشهد مضى إلى الجنان وجوار الرحمن، ومن بقي عاش حكيماً خريتاً مجرباً، ثابت المعاني، راسخ القدم، حاملاً لحكمة السنين، بريئاً من أمراض الطفولة الإنسانية التي تغشى الأغرار وعديمي التجربة، فيعيش بحكمته ملقياً للأجيال ما يحتاجونه من بصائر وهدى الوقائع التي عجمته، فزادته صلابة وقوة وعلماً وثباتاً، فهو يقف لهم كالصوى الهاديات في لجة الحياة وتلاطمها وأعاصيرها، فهذا هو التمحيص الذي يريده الله تعالى للباقين من عباده، وهي ما تحتاجه جماعات الجهاد في كل أزمنتها، فهؤلاء الرجال الباقون حين يرون اللجج قد أتت، أو أن الدول قد تساقطت، أو أن الزحوف قد رمت بأكبادها للمسلمين، هؤلاء الجبال يرمون لها بسمة البصير الذي قد رأى كل هذا من قبل، ومرت على عينيه أمثالها، فيقول للحائرين:- لقد مر على هذه الطريق الكثير من هذا، فماذا كان؟ لقد عاد الكفر يباباً، وما هذه اللجج إلا زبد بحر سيذهب، وما هذه الزحوف إلا أعداد هواء سيؤول كلها إلى فناء، وسترون يا أبنائي