تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الظرف السنني، لكن تخلف هذه المطالب لا يعني التوقف ولا خطأ الإختيار، ولا يجيز أبداً للتالين أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، بل يجب عليهم مواصلة الطريق حتى يأتي وعد الله، فالجهاد هو الحياة، وهو الوعاء الوحيد لمفهوم الشهادة على الخلق ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)).

﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾

هي شهادة ربانية أنه يمكن للفئة المؤمنة أن تخفق في مرحلة من مراحل الحياة، بل لابدّ أن يقع هذا ولا يمكن تجاوزه، ويمكن أن تصاب بالقرح في موقعة من المواقع، ولكن هذا لا يلغي شعورها النفسي بالعلو، وشعور الإعتزاز لديها بإيمانها الفريد، وحين تصاب الأمة في هذين الأمرين حينها تكون الأمة قد هزمت حقيقة، لأن الهزيمة الحقيقية هي هزيمتها في الشعور الذي يتبعه إخفاق في الإرادة وفي العلم والعمل.

وهي شهادة ربانية أن الفئة المؤمنة هي الأعلى في هذه الحياة، وهذا يوجب عليها أن لا تلتفت للدون من حياة الآخرين فتصبح متلقية لا هادية كما هو شعور المهزوم دائماً أمام المنتصر.

وهي شهادة ربانية أن علاج أحزاننا من الغمرات التي تقع بنا، وعلاج هواننا على الناس إنما هو بالجهاد في سبيل الله تعالى فهو الذي يشفي كل أمراضنا، وحين تتخلى الأمة عن الجهاد يعني أن هوانها سيطول وحزنها سيمتد وذلتها هي شعارها الذي اختارته.

﴿إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذي آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾.

بعد أن هدى ربنا وعلم وشفى في الآية السابقة التي كانت مدخلاً نورانياً لوقعة أحد جاءت هذه الآية العظيمة، فيها حكمة الحياة وسننها، وفيها قدر الإنسان والتجمعات عموماً، وخصوصية ما يصيب المؤمنين من مصائب وقروح وآلام.

هكذا تنساب هذه الآية لتبين حلّ معضلة الألم الإنساني، وتتغلل في التاريخ لتكشف سنته الأهم والأوضح، ثمّ في خطفة تذهب بك هناك إلى خصوصية الإيمان في نفس الرب وعالم الغيب حين تكون الدولة عليهم.

آية تخضع المؤمنين لبشريتهم، وقوانين هذه البشرية، ثم تلقي عليهم ثوب الخصوصية في ما يقع عليهم ولهم، لأنهم المؤمنون، فأنتم بشر من البشر، وناس من الناس، وقانون التداول يشملكم، وإيمانكم لا يعفيكم من هذه السنن، لكن إيمانكم يصبغ على ما يقع عليكم من معاني لا تقع إلا من خلال هذا التداول والمحن.

لنبدأ مع رحلة الألم الإنساني، هذه المرحلة التي أقلقت البشرية، وعجز الإنسان من خلال مفكريه وفلاسفته أن يدركوا حكمة هذا الألم المرافق للإنسان، ودفعهم عجزهم هذا إلى عدم إدراك حكمة الألم العظيم، فكانت سبباً في شركهم وكفرهم.

قضية الألم كقضية الشرّ لا يمكن حلّ معضلتيهما إلا من خلال القرآن الكريم، وإذا كانت قضية الألم في الإنسان عموماً مقلقة خفية المفاهيم، فكيف إذا كانت هذه القضية مع المؤمنين من أحباب الله وأوليائه؟! إنها بلا شك ستكون أصعب وأعقد.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٧٧