لقد أحسن الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى في كتابه –ردة ولا أبا بكر لها- حين صور نفسية المرتد وخستها، وكيف أنه أشد كفراً وغيظاً وحسداً وحقداً على المؤمن من الكافر الأصلي، وذلك لأنه كلما رأى المهتدي في عزته وطهارته وثقته بالله كلما رأى خسة نفسه وحقارتها ودناءتها، فبدل أن يصلح هذه المفسد، وهو يحب لكنه أسير لشهوته-فلا يستطيع، حينها يمتليء بكل القذارات والأمراض النفسية نحو هذا المؤمن المهتدي.
هكذا هم، وهكذا أنتم.
((وتؤمنون بالكتاب كله)) وهذه خصلة من خصالكم يقابلها خصال كثيرة عند الآخرين، فمنهم من يكفر بالكتاب كله، ومنهم من يكفر ببعض ويؤمن ببعض، ومنهم من مرضه في الإيمان إذ لم يبلغ الثبات، بل هو في ريب، يؤمن مرة ويكفر مرة، ويتردد حيناً، فهم أشكال ضد هذه الحقيقة الإيمانية الموجودة عند المؤمنين، وهذا فيه دلالة أن الآخر كل من لم يؤمن إيماناً صحيحاً بالكتاب كله، فمن لم يكن كذلك فهو من دونكم، لستم منه وليس منكم، فلا تتخذوه بطانة.
وهؤلاء في كل زمان كثر، كثيرون بتعدد صفاتهم، كثيرون بمناهجهم، كثيرون بأعدادهم، وواجب المؤمن الحذر منهم، فهناك من يريد إسلاماً مختلطاً مع غيره، يقول فيما يقول:- إن الإسلام واحد من متعدد نأخذ منه ما يوافق حياتنا ودنيانا، ونأخذ من غيره ما هو أحب إلينا منه، ولا نلتزم به كله.
وآخرون يقولون:- الإسلام بقيمة العامة هو مرجعنا، فنحن نعلم أن الإسلام يدعو للعدل والديمقراطية وحرية المعتقد، وإحترام الإنسان، أما بقيمه الفرعية داخل هذه العمومات فلسنا ملزمين بها.
وغيرها وغيرها من جهالات الضالين الذين لا يؤمنون بالكتاب كله.
هؤلاء كلهم من دونكم.
(وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور)
هذه خصلة المنافقين، يقولون في وجوهكم ما تحبون ليخدعوكم فترضوا عنهم، فهم يعلنون الإيمان معكم، وقد يصلون صلاتكم كما كان المنافقون زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن في الغيبة يظهر بغضهم وغيظ، والغيظ شدة البغض وشدة الغضب، فهم في غيظ قلبي يدفعهم إلى عضّ أصابعهم وهم ينظرون إليكم.
خصلة خفية يكشفها القرآن للمؤمنين، لا يرونها حين تقوم وتمارس، لكنهم يؤمنون بها لأن القرآن الحق يخبرهم بها، فالمؤمن القرآني ليس غبياً ولا جاهلاً ولا مخدوعاً ولا خبّاً، لكن المهتدي بالقرآن هو أبصر الناس بالناس ومراتبهم.
قارن هذه الهداية القرآنية التي تصبغ المهتدي بها وبين عموم المسلمين اليوم، بل قارن هذه الهداية بقادة المسلمين ومفكريهم ومقدميهم لنرى مقدار اهتدائهم بشعارات مرفوعة –العودة إلى الكتاب والسنة.
القرآن يعلمهم أن يقرؤوا لحن القول، ويبصرهم أن يلمحوا في الناس خطرات نفوسهم من فلتات ألسنتهم أو يهديهم إلى إسرار أعداءهم في غيبتهم، ومع ذلك ترى المقدم فيهم يعذب السنوات في سجن طاغية لا لشيء إلا لأنه مسلم يؤمن