تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الحياة معركة حقيقية ميدانها القتال والصراع، وإن من أراد الحياة فلابدّ أن يعرف هذا، ولكن العجب ممن يجعل الحياة كلها موعظة حسنة، ويختزلها بالكلمة فقط، وهؤلاء هم الأكثر في أمتنا من الوعاة والوعاظ والمفكرين، وعم مع إصابتهم لطريق الدعوة إلا أن خطأهم كبير في فهم الحياة والإنسان والتاريخ، وأما عدم فهمهم لحقيقة المسلم المؤمن في القرآن فهو جليٌّ وبيّن، وهذه الآية ككل الآيات التي تبين خطأ وعيهم التام والكامل على الحياة، فالمؤمن أشد رهبة في صدر المنافق ومثله الكافر من الله تعالى، وحين لا يوجد هذا الأمر ولا تتحقق هذه الصفة فيعني ذلك أن هذا المسلم إما عجز أو كسل أو جهل عن تحقيق معنى من معاني الإيمان التي فرضها الله تعالى عليه، وهذا مما يذّم به المسلم ولا يمدح، إما ذماً شرعياً كمن كسل أو جهل؛ وإما ذماً قدرياً كالعجز، ولكن العجب من أصحابنا اليوم حين يمدحون هذا كله ويعدونه من كلمة الدعوة والحياة، ويرمون بالعيب كل من خالفهم ويذهبون مع المنافقين والكافرين في تسمية إخوانهم"بالإرهابيين".

إن هؤلاء الذين يعيبون إخوانهم بما يقومون به من الحق إنما يعيشون على هامش أفعال وجهاد هؤلاء، فلولا أفعال المجاهدين المقاتلين لما كان لهؤلاء سبيل أيقولوا كلمتهم، فإن الجاهلية إنما تدرك حكمة الحياة حين تسمح للكلمة أن تكون ما دامت تمنع السيف، ولكنها ستمنع الكلمة التي تضادها مهما كانت حين لا يكون البديل هو السيف، ولذلك يرى الناس اليوم أن بعض البلاد ممن كانت تعيش في ظل الإسلام قد منع خطباؤها ومدرسوها من الكلام عن بعض مسائل الإسلام كالحجاب مثلاً، بل قد منع هذا الحجاب بقانون لأن البديل هو قوم من المسلمين يقولون: خيارنا الوحيد في صد هؤلاء المعتيدن على الله ورسوله وعلى أمة الإسلام هو الكلمة، هذا مع إحسان الظن وإلا فإنهم يقولونها على غير هذا الوجه.

إن وجود المجاهدين المقاتلين الذين يرهبون المنافقين بأفعالهم ومواقفهم هو سبيل قويم لإصلاح هذه الحياة في داخل المجتمع المسلم وخارجه، وإن وجود ضوابط شرعية للجهاد لا تعني إلغاء الجهاد، وكذا وجود ضوابط شرعية للحسبة لا تعني إلغاء الحسبة، ومثلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس الأمر كما يفتي ويتكلم به البعض من شروط لهذه الأفعال الصالحة تؤدي إلى إلغائهما من حياة المسلمين والناس، ويقال كذلك وجود بعض الأخطاء في التقديرات لا تمنع شرعية أصل هذه الأعمال، فالناس ما زالوا يموتون في البحر ومع ذلك يركبونه، ويموتون بحوادث السيارات على الطرق لالألاف ومع ذلك ما زالوا يركبون السيارات.

((ذلك بأنهم قوم لا يفقهون)) لأنهم لا يعرفون ربهم ولا يخشونه حق خشيته، وهذا حال كل ما غاب عنه الخوف من الله، فإنه لا يرتدع إلا بأفعال المؤمنين، وخاصة المجاهدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكرين وأهل الحسبة، فأما من خاف الله فهذا يوكل إلى هذا الخوف، فهو كافيه من إقتراف الإثم والشر، وأما غيره فلابدّ من يجابه ما يخشاه.

﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقولبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾.

في هذه الآية ذكر الله صفات الهزيمة المحققة؛ أما الأولى فهي عسكرية، وهو نزوعهم دوماً إلى الحصون ليحتموا فيها من أعدائهم، فهم لجبنهم عند اللقاء، وخوفهم من أعدائهم يفرون إلى الحصون، وهذا الإحتماء الجماعي يبدو للناظر أن القوم واحد، فهذا حق لاتفاقهم جميعاً على هذه الوسيلة، واجتماعهم في مكان واحد فقال سبحانه:- ((لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة)) ولكن إن حصل خيار للبعض بالمواجهة فلا يمكن أن يكونوا جميعاً في هذا الخيار، حينها ترى الشقاق بينهم، وهي صفة أخرى؛ أنه حين المواجهة فكل طائفة تدفع غيرها للموت، وهذا هو البأس الشديد من الخلاف ودفع الغير للمهلكة كما يظنون، وهذا الظاهر في الإجتماع يكشف الله عمقه النفسي بقوله: تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، والعجب أن بعض المسلمين قد وقعوا في هذه الصفات، لأنها السنن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا عسكرية ناجحة، هذا

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٥