وقد ذكر الفاروق أسباب أخرى لما فعله من الخراج تراجع في مظانها ككتاب الخراج لأبي يوسف والأموال لأبي عبيد وقد شرحه السرخسي على السير الكبير، وهناك من أهل العلم من يرى الفيء والغنيمة شيئاً واحداً، والجمهور على خلاف ذلك.
وأما تقسيم الفيء وهل يخمس أم لا فالجمهور على عدم تخميسه وخالف الإمام الشافعي بل أبقاها للمسلمين جميعاً عملاً بفقه الآية التي جعلت لمن يأتي بعد المهاجرين والأنصار نصيباً منه في قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ إذ لولا الآباء المؤسسون من المجاهدين الذين أرعبوا الكفار فأخذوا أموالهم فيئاً لما حصل للتالي هذا المال، وبهذا فكل من يسب أباه الإيماني (قال السلف:- هناك والد للبدن وهناك والد للروح، ولذلك كثيراً ما يقول التلميذ لأستاذه: والدنا تبجيلاً واحتراماً وآية الفيء تؤيدهم)، ومن هذا الفقه قال مالك وأحمد:- لا نصيب للرافضة سابي الصحابة في الفيء. والقصد من هذا أن توارث الفيء هو لعلامة الإيمان في داخل المجتمع الإسلامي.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾، وهو أمر للمؤمنين بالتسليم لأحكامه، ومن فقه هذه الآية أن الله تعالى قدّم العلة ثم أعقبها بالحكم العامة، هذا مع أنه سبحانه وتعالى ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾، لكن هذا تعليماً للعلماء بأن يدركوا حكم الشرع ويبينوها للناس ما استطاعوا سبيلاً.
قوله تعالى ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾
فهؤلاء لهم الفيء، وهم المقدمون فضلاً وسبقاً، فإنه وإن فاتتهم ديارهم فقد أورثهم الله غيرها، فبيوتهم تركوها ظلماً إلا أن يقولوا ربنا الله، وهذه البيوت ورثوها إيماناً وتقوى، ومن هؤلاء تكوّن القسم الأول من المجتمع الإسلامي، فهو مجتمع قائم على الإيمان وفضائله واختياراته، ووصفهم الأول: الفقراء، هذا الفقر الإختياري لأنهم تركوا ما يحبون وراءهم رغبة بما عند الله تعالى، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وقد قدّم الله في هذه الآية فطالب المهاجرين على مطلب الدين منهم؛ فهم ﴿يبتغون فضلاً من الله ورضواناً﴾ فهذه مقدمة على ﴿وينصرون الله ورسوله﴾، لأن في مقصدها الأول تحقيق لإرضاء الله تعالى بهروب المرء بدينه من الفتنة، فهذا مقصد وإثم في كل أنواع الهجرة الدينية ولذلك قال تعالى ﴿اخرجوا من ديارهم﴾ فهم خرجوا مكرهين، لكن قد يخرج المرء مهاجراً نصرة لدين الله تعالى دون أن يكون خروجه اضطرارياً، فهؤلاء الأصحاب قد جمع لهم الفضل كله في الهجرة؛ إذ تحقق لهم الرضى الإلهي وتحقق لهم نصرتهم لدين الله تعالى.
وأما القسم الآخر من المجتمع الإسلامي فهم: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾، فهؤلاء أنصار الله وأنصار رسوله وأنصار المؤمنين، فهؤلاء لهم الفيء كذلك. وانظر إلى إكرام الله تعالى لهم بهذه التسمية تبوؤا الدار والإيمان"، فصار الإيمان لهم سكناً يسكنونه ويستوطنونه، وهذا هو الشرف الكبير.
وهذه الآية تبين فضيلة العطاء والكرم، فإن البخل داء لا يعد له داء في أمراض البشر، وكفى بقول المصطفى فيه:"أي دواء أدوأ من البخل"، فهؤلاء الأنصار: يحبون من هاجر إليهم، ويعطونه بلا حرج ولا ضيق في نفوسهم من هذا الذي يخرجونه من أموالهم، بل إنهم ليقدمون حظوظ المهاجرين على حظوظ أنفسهم مع قلة ذات اليد.