هذه الآية وإن كانت اعلاناً ربانياً ضد الكافرين إلا أنها تربية لمؤمنين، فهي سلاحهم القلبي والباطني حين يأتيهم الكفر متبجحاً مستعلياً بما معه وبقوته أنكم ستغلبون، فإن تعاظم الكفر واستعلى بما معه في وجه المؤمنين، قابلهم هؤلاء بوعد الله تعالى أنهم سيغلبونهم، وهذا وعد إلهي لمن غالب وصارح ودافع لا من استكان وتخاذل وألقى بيده مصافحاً الكفر زاعماً الذكاء والكياسة وفن الممكن، فهؤلاء ملعونون في تاريخ الإنسان، موصوفون بأحط أنواع الصفات، وبقاؤهم دوماً مرهون برضى الكفر عنهم، فلا أرجل لهم إلا ما يقيمهم فيه، حتى إذا غيّر الكفر دابته التي يمتطيها –وكثيراً ما يفعل- تساقطو كأمس الذاهب، ولم يبق لهم في صفحة التاريخ إلا ما يسيئهم.
وإذا تسائل اللمرء كيف يهدد القرآن الكافرين وهم لا يؤمنون به؟ وهل على المؤمن أن يعمل بهذه الآية على ظاهرها فيقول للكافرين هذا؟
الجواب نعم، بل هو واجب من واجبات الشرع، وواجب من واجبات المعركة لتحصيل النصر، فإنه مما يغيظ الكافرين أن يفخر المؤمن أنهم عباد الله وجنده وأولياءه، وأن خصومهم هم أعداء الله وخصومه، فمثل هذا الاعلان يأكل قلوبهم ويوغر صدورهم ويقلق عليهم سعادتعم وهنائهم، لأن هذا الأمر هو صراع على الشرعية، فالكافرون دوماً يكذبون ويزدرون في هذا الباب، فاليهود والنصارى قالوا "نحن أبناء الله وأحباءه" وهذا نزاع على الشرعية الربانية، وادعاءاتهم في باب الشرعية لا ينتهي، ومن صورها الخبيثة اليوم الدعوة إلى ابطال الشرعية الربانية إلى شرعيات أخرى كالتاريخية أو الانسانية وما أشبههاحتى تنتهي الفرق المتنازعة من دعوى القتال والتملك باسم الله تعالى، وهذه أبواب شيطانية يستخدمها الكافرون ضد خصومهم لكنهم في داخل صفوفهم يجيشون الناس ويستنفرونهم باسم الله تعالى كذباً وزوراً، ولذلك على المسلم أن يصدق مع الله تعالى في كل حركاته وسكناته وأعلاها القتال والتدافع فيعلن أن قتاله وتملكه وسلمه وولاءه وبراءه إنما هو لله تعالى كما قال سبحانه وتعالى داعياً عبده لذلك:"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، فإعلان أمة الإسلام، وطوائف الجهاد أنهم يقاتلون باسم الله، وأنهم يمثلون أمر الله تعالى يغيظ الكافرين ويوهن قواهم ويكشف غيظهم.
فالمراقب اليوم لصرخات الزنادقة هو مقتهم وغضبهم لعصبة الايمان والجهاد في اعلانهم أنهم جند الله وأن خصومهم هم أعداء الله، وأن قتلى المؤمنين في الجنة وأن قتلاهم وموتاهم في جهنم وبئس المصير، وأنّ الاسلام هو دين الله وأن غيره هو باطل وكذب وكفر، وهذا واجب إيماني في كشف حقائق الأمور في الدنيا والآخرة، لأن هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعلمها الناس، وأما ما يفعله البعض من تمييع هذه القضية تحت باب الحكمة والموعظة الحسنة فهذا كذب على الله تعالى أولاً ثم هو خداع للناس ثانياً ذلك بأن هؤلاء لا يقبحون ما عليه المعاندون للإسلام من الكفر والضلال ولا يبصرونهم بعاقبتهم في الآخرة، وهي عاقبة ليست هينة بل "جهنم وبئس المهاد".
إن إعلان المؤمنين بالحقائق كما هي ستكلف المؤمنين الكثير من المحن لكن الحقائق دوماً لها ثمن باهظ، لأنها القليل أمام زيف الباطل الكثير والرخيص، ودعوى الحكمة والتقريب لا يكون على حساب هذه الحقائق التي يترتب عليها أمر الآخرة، ولا على حساب أصل دعوة الأنبياء وهو بيان حال فرق الناس اليوم ويوم القيامة، ولذلك كان من أشد الأمور على قريش هو ما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على آبائهم أنهم في النار.