ونتساءل : أكان على "عمرو" أن يعاونه بكفايته ـ احتسابا ـ ولو لم يكن الرجل للولاية أهلا ؟ إن ذلك مثل أعلى ، بلا شك، وهو ما طلبه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المسلمين حين تضطرب سياسة الحكم . ففى الحديث " ستكون بعدى أثرة وأمور تنكرونها !! قالوا: فما تأمرنا ؟ قال أدوا الذى عليكم وسلوا الله الذى لكم …" وفى رواية " اصبروا حتى تلقونى على الحوض " . وأداء الواجب ، والصبر على الحرمان ، هما الضمان الأوثق لمصلحة الأمة وهو النصح الذى لا ينتظر غيره من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ . بيد أن " عمرا " غاظه أن يُعزل عن ولاية هو لها كفء ، وأن يكلف بمساعدة وال يراد نفعه بأجر المنصب الكبير فقال: " إنى أكون كماسك قرنى البقرة وغيرى يحلبها ". وهى كلمة ساخرة ، لا تعدو أبدا أن تكون إزراء على الوالى الجديد ، ولا يفهم منها أبدا أن العرب الفاتحين جاءوا لنهب مصر ، وسرقة خيرها ـ كما يفهم المستشرقون ـ . و " عمرو " ، وغير " عمرو " ، أفراد قلائل فى جمهرة المؤمنين الخلص الذي جاءوا مصر ، وليس فى مشاعرهم وأفكارهم إلا أنهم جند الله ، وفداء للإسلام ، وطلاب للآخرة ، وصفهم رسل " المقوقس " بهذه الكلمات : " رأينا قوما الموت إلى أحدهم أحب من الحياة ، والتواضع أحب إليهم من الرفعة . ليس لأحدهم فى الدنيا ركبة ، وإنما جلوسهم على التراب ، وأكلهم على ركبهم . وأميرهم كواحد منهم ، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد من العبد . وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنهم أحد ، يغسلون أطرافهم بالماء ، ويخشعون فى صلاتهم " أ. هـ . هذه السمات الناضحة بالنبل ، والمصورة لخلال الفاتحين وغاياتهم ، لا يجوز أن يعكر نقاءها قول أرسله أحد الناس فى ساعة غضب ، كاشفا به عن وجهة نظره فى موقف من المواقف الشخصية . ومرة أخرى لا ندرى من نلوم ؟ مدوني الآثار دون شرح ووعى ؟! أم من يتلقفها من أعداء الإسلام ليُحَمِّلها ما لا تطيق وما لا يدور ببال ..؟ ص _129
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٢٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٢٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي