تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 - دعاوى وحدة الأديان والتسامح الديني المغلوط:

ونحن نرى اليوم في كل أرجاء العالم الإسلامي مؤتمرات وشعارات ومنظرين ومروجين لسموم وحدة الأديان وما اصطلحوا عليه زوراً وبهتاناً اسم "الديانات الإبراهيمية " وهم يزعمون أنها البوتقة التي تصب فيها كل من اليهودية والنصرانية والإسلام، ونحن نحمد الله أن تكذيب هؤلاء قد تقرر قبل أن يولد هؤلاء وتولد معهم هذه الأفكار النتنة حيث قال تعالى في محكم تنزيله:" ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" (1)، والشاهد هنا أن إحدى طرق الترويج لهذه الأفكار الهدامة التذرع بضرورة المحافظة على الوحدة والاجتماع صيانةً للدولة وحفظاً لأمنها، والحقيقة أن هذه الظاهرة وثيقة الصلة بالتي قبلها، وكلها تحاول الاتكاء على مسألة الاجتماع والوحدة، ولكنها غفلت أو تغافلت عن أمر مهم وهو أن الاجتماع العملي السياسي في الأمة ليس له من هدف سوى حماية هذه العقيدة، كما قال تعالى في سورة الحديد:" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز" (2)، فالقوة والسلطان - اللذان يتحققان بالجماعة الحسية - هدفهما حماية القرآن وأهله ليس إلا، فأي تجمع حسي يكون ثمنه التضحية بهذا القرآن فهو تجمع باطل لا وزن له ولا قيمة مهما كان ضخماً بالمعيار الحسي ومهما كان قوياً بالمعيار المادي فهو في حقيقته ليس بشيء لأنه فرط في نفس الأمر الذي وجد لأجله ألا وهو هذه العقيدة الغالية.

3 - عدم التفريق بين مداهنة أهل البدع والباطل ومداراتهم وتألفهم:

إن مداراة وتألف أهل البدع والافتراق أمر مقرر عند أهل العلم، وهو يدخل في باب المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية، أما المداهنة المنهي عنها في قوله تعالى:" فلا تطع المكذبين. ودوا لو تدهن فيدهنون" (3) فلا تجوز أبداً مهما كانت الظروف لأن حقيقة هذه المداهنة هي المساومة على أصول الدين الثابتة، وأكبر دليل على خطرها على العقيدة أن أهل الباطل والتكذيب يفرحون ويرضون بها، وقد علمنا من الشرع أن أهل الكفر لا يرضيهم إلا أن ندخل معهم في كفرهم أو فيما يوصل إليه، قال تعالى:" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" (4) فعلم من هذا أن ما يرضي الكفار هو من جنس كفرهم عادةً أو موصل إليه، فمن التفريط في العقيدة إذاً أن نرضى بالمساومة والتنازل عن أي مبدأ من مبادئها مهما كانت المصالح المرحلية الموهومة ومهما كانت المبررات الظاهرة. وهنا أقرر مرة أخرى أن مداراة وتألف أهل الباطل والكفر والبدعة شيء، وإقراراهم على ما هم عليه أو التنازل عن شيء من الدين إرضاء لهم شيء آخر.

(1) سورة آل عمران - 67

(2) سورة الحديد - 25

(3) سورة القلم - 8 - 9

(4) سورة البقرة - 120

لزوم الجماعة بين الغلاة والجفاة · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لزوم الجماعة بين الغلاة والجفاةص ١٦