كان الأستاذ حمد, شديدَ الشراسة, مسعورَ اليد, سريع الافتراس, ينقضُّ على الكسول كانقضاض الصقر على فريسته, ويلتهمه كالتهام الأسدِ للغزال الكسير, أضِفْ إلى ما مضى أن الأستاذ حمد, كان يدرّسنا مواد اللغة العربية بما فيها مادة الإملاء, التي كانت حجر عثرة عند كثيرٍ من طلاب الصفوف الأولية, يشمرُ أمامها كلَّ همّ, وتخنسُ كل مصيبة, ويضمحلُّ كل وسواس, ومع ذلك كلّه كان الأستاذ حمد يحفظ لي الودّ, ويجلُّ لي القدر, ولا أجدُ ما يدعو للخوف منه.
عند دخولهِ يستحيلُ المكان عزاءً, ويسودُ الصمتُ ما بين الجدران الأربعة , بل لا يجرؤ أحد أن يسعل , بل ويحسبُ ألف حساب إن أراد لعينه أن ترمش، وتزداد دهشتي عندما أرى الفرائص ترتعد , والأبصار تزيغ , والقلوب تبلغُ الحناجر والروح تُصارعُ من أجل البقاء, فرقاً من هذا الكائن, وهَلَعاً من صوته الحاد المزعج!
إلى أن جاء ذلك اليوم..
لا زلتُ أتذكر ذلك اليوم الأسوَد كنتُ طفلاً بريئاً, أدرُسُ في الصفّ الثالث الابتدائي, مُجدٌّ في دراستي مُهذّبٌ في تعاملي, قد فُقتُ أقراني, ونلتُ حظوةً عند الأساتذةِ, قلّ من ينالها - والفضل مِن الله وإليه -, غيرَ أن فهوماً خاطئة, وقناعاتٍ زائفة, قد تخلقُ فيمن يتلقاها , ألواناً من التحطيم , وصنوفاً من الانحدار.
كعادة الأستاذ حمد , كان أول ما يسأل عنه عند دخوله هو الواجب , فمن أحضره فقد حاز الدنيا بحذافيرها , ومن تخلف فـ نارُ الأستاذ مثواه – وقليلٌ ما هم - , من غير العادةِ أن أتخلّفَ عن إحضار الواجب , ومن العادةِ أني دائمُ المشاركةِ , والأستاذ بنفسه يعلمُ أنني متفوقٌ في دراستي , ولطالما امتدحني أمام زملائي!
هذه المرةُ خالفتُ التوقعات , ولم أحضر الواجب , في الحقيقة لا أدري لمَ ؟!
هل كان كسلاً أو نسياناً ..؟ الله أعلم , ولعل الثانيةُ أرجح..
طلب الأستاذُ ممن تخلف عن أداء الواجب الوقوف , لم يقف أحد !. ستركَ اللهم !. قولوا غير هذا أيها القوم !