تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)

ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥] (إلا) هنا بمعنى (لكن) ولا تصح أن تكون استثناءً متصلًا؛ لأن الذين آمنوا ليسوا من المكذبين في شيء، بل هم مؤمنون مصدقون وهذا هو استثناء منقطع وتقدر (إلا) بـ (لكن) أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون؛ الذين آمنوا بقلوبهم، واستلزم إيمانهم قيامهم بالعمل الصالح، فهؤلاء هم الذين ليس لهم عذاب ولا ينتظرون العذاب، بل لهم أجر غير ممنون.

فإن قيل: ما هو العمل الصالح؟ ف

أن العمل الصالح ما جمع شيئين: الأول: الإخلاص لله تعالى بأن يكون الحامل على العمل هو الإخلاص لله عز وجل ابتغاء مرضاته وثوابه، وابتغاء النجاة من النار، -أي: لا يريد الإنسان بعمله شيئًا من الدنيا- ولهذا قال العلماء: إن الأعمال التي لا تقع إلا عبادة لا يصح أخذ الأجرة عليها كالأذان: -مثلًا- فلا يصح أن تؤذن بأجرة، والإمامة: فلا يصح أن تؤم بأجرة، وقراءة القرآن: فلا يصح أن تقرأ بأجرة، بخلاف تعليم القرآن فيصح بالأجرة؛ لأنه متعدٍّ وتكون الأجرة على العمل الذي هو التعليم لا على التلاوة، فلو أتى إنسان وقال: أريد أن أتلو القرآن بأجرة، فإن ذلك لا يصح ولا يحل؛ لأن من شرط العمل الصالح أن يكون مخلصًا لله عز وجل، ومن قرأ بأجرة أو تعبد بأجرة؛ فإنه لم يخلص العمل لله فلا يكون عمله مقبولًا.

الثاني: أن يكون متبعًا فيه شريعة الله التي جاء بها رسول الله ﷺأي: أن يتبع الإنسان رسول الله ﷺ في عمله فعلًا لما فعل، وتركًا لما ترك- فما لم يفعله النبي ﷺ مع وجود سببه فالسنة تركه.

أي: إذا وجد سبب الشيء في عهد الرسول ﷺ ولم يفعله فإن السنة تركه.

ولهذا نقول: إن ما يفعله أكثر المسلمين اليوم من الاحتفال بمولد الرسول ﷺ في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول بدعة ليس له أصل من السنة؛ لأن رسول الله ﷺ لم يحتفل بعيد مولده ولا خلفاؤه الراشدون، مع أننا نعلم علم اليقين أنه لو كان مشروعًا ما تركه النبي ﷺ بلا بيان للأمة؛ لأن عليه البلاغ، فلما لم يقل للأمة أنه يشرع الاحتفال بهذه المناسبة، ولما لم يفعله هو بنفسه، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون، عُلم أنه بدعة لا يزيد فاعله من الله إلا بعدًا نسأل الله العافية.

وهذه البدعة حدثت أول ما حدثت في القرن الرابع، أي: بعد مضي أكثر من ثلاثمائة سنة على الأمة الإسلامية، حدثت هذه البدعة وزعموا أنهم يعظمون فيها رسول الله ﷺ، والحقيقة أن كل بدعة ليس فيها تعظيم للرسول ﷺ؛ لأن تعظيم رسول الله ﷺ إنما هو باتباع سنته، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] .

ولننظر هذه البدعة! هل لها أصل من التاريخ؟ هل لها أصل من الشرع؟ نقول: ليس لها أصل من التاريخ، وذلك أن مولد الرسول ﷺ مختلف فيه على أكثر من خمسة أقوال، بعد الاتفاق على أنه في ربيع، لكن مختلف في أي يوم هو، وقد رجح بعض علماء التاريخ المعاصرين أنه كان في اليوم التاسع وليس في الثاني عشر، فبطل من الناحية التاريخية أن يكون في اليوم الثاني عشر، أما من الناحية الشرعية فهو باطل لوجوه: الأول: أنه عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ، ولا الخلفاء الراشدون الذين أمرنا باتباع سنتهم، فإن ادعى مدعٍ أن ذلك مشروع في القرآن والسنة، أو في عمل الخلفاء الراشدين، أو الصحابة؛ فعليه الدليل؛ لأن البينة على المدعي، ولن يستطيع إلى ذلك سبيلًا -أي: لن يستطيع أن يأتي بدليل واحد من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين، أو الصحابة؛ على أنه يسن الاحتفال بيوم ميلاد الرسول ﷺ.

ثانيًا: أن نقول: هذا الاحتفال إما أن يكون حقًا أو يكون باطلًا، فإن كان حقًا؛ لزم من ذلك أن يكون النبي ﷺ إما جاهلًا بالحق، وإما عالمًا به وكاتمًا له، وكلا الأمرين باطل يمتنع غاية الامتناع أن يكون الرسول ﷺ جاهلًا بشيء من شريعة الله، أو يكون عالمًا به ولكن لم يبينه للأمة؛ لأن الاحتمال الأول: يقتضي أن يكون جاهلًا بالشرع مع أنه هو صاحب الشرع.

والاحتمال الثاني: يقتضي أن يكون كاتمًا ما أنزل الله إليه وحاشاه من ذلك، ولو كان كاتمًا ما أنزل الله إليه لكتم قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] .

ثالثًا: إذا تبين أنها بدعة، فإنه لا يحل لأحد أن يقيمها لقول النبي ﷺ: (إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .

ولو اتبع الحق أهواءهم وصار كل من عنَّ له أن في أمرٍ ما مشروعية فيشرعه؛ لاختلفت الأمة، ولتمزق الدين، ولكان كل قوم لهم دين معين، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة الإسلامية من وجوب الاتفاق على كلمة الله، وسنة رسوله ﷺ.

رابعًا: نقول: هذه بدعة لم تقتصر على مجرد الاجتماع، والصلاة على النبي ﷺ، وذكر محاسنه، ومآثره، وشريعته، بل عدل عن هذا إلى قصائد المديح البالغة في الغلو غايته، بل المتجاوزة لطبيعة البشر إلى حقوق الله عز وجل، فقد كان هؤلاء الذين يجتمعون يترنمون بقصيدة البوصيري الذي كان يقول فيها يخاطب النبي ﷺ:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

إن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي عفوًا وإلا فقل يا زلة القدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

قال بعض العلماء: إذا كان الأمر هكذا لم يبق لله شيء، ولم يكن الله تعالى هو الملجأ عند الشدائد والفزع، بل كان الرسول ﷺ الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، هو الملجأ وهذا غاية ما يكون من الغلو الذي نهى عنه الرسول ﷺ، فصار هؤلاء الذين يدعون أنهم يتقربون إلى الله بمثل هذه الاحتفالات، وأنهم هم المحبون لرسول الله ﷺ صاروا في الحقيقة هم الذين يبتعدون عن الله عز وجل بما أشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا.

ولا شك أن الرسول ﷺ لا يرضى بمثل هذا أبدًا، فإذا قالوا: إن منشأ هذا هو محبة رسول الله ﷺ ومن أجل أن نبين للنصارى أننا نعتني برسول الله كما كانوا يعتنون برسولهم فيجعلون من ميلاده عيدًا، قلنا: إذا كنتم صادقين في محبة الله ورسوله فهنا ميزان قسط عادل هو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ولهذا كلما كان الإنسان أشد حبًا لله كان أشد اتباعًا لرسول الله ﷺ، وكلما كان أقل حبًا لله كان أقل اتباعا لرسول الله ﷺ، فإذا رأيت الرجل يدعي محبة الله ورسوله لكنه لا يلتزم بالشريعة فاعلم أنه كاذب؛ لأن محبة الله ورسوله تنتج إنتاجًا لازمًا هو اتباع الرسول ﷺ.

فالحاصل أنه يجب على طلبة العلم هنا في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد الإسلامية أن يبينوا للعامة ولغير العامة أن هذا الاحتفال ليس له أصل من السنة، وأنه بدعة لا يزيد الإنسان إلا بعدًا من الله عز وجل؛ لأنه شرع في دين الله ما ليس منه، فإن قال قائل: أليست الصلاة على رسول الله ﷺ مشروعة كل وقت؟ فالجواب: بلى.

أكثر من الصلاة على الرسول ﷺ يُعظِم الله لك فيها أجرًا، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، لكن ترتيبها في ليلة معينة والاجتماع عليها وذكر المدائح والقصائد البالغة في الغلو غايته هذا هو الممنوع، ونحن لا نقول: لا تصلوا على الرسول، بل نقول: أكثروا من الصلاة عليه ﷺ، ولا نقول: لا تحبوا الرسول، ولكن نقول: أحبوا الرسول أكثر مما تحبون أنفسكم، ولا يكمل إيمانكم إلا بذلك، ولكن لا تُحدِثوا في دينه ما ليس منه.

فالواجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس، وأن يقولوا لهم: اشتغلوا بالعبادات الشرعية الصحيحة، واذكروا الله، وصلوا على النبي ﷺ في كل وقت، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحسنوا إلى المسلمين في كل وقت، أما أن تجعلوا عيدًا معينًا في السنة لم يجعله الله، فالله تعالى لم يجعل في السنة إلا ثلاثة أعياد فقط: عيد الأضحى، وعيد الفطر، وعيد الأسبوع يوم الجمعة، أما أن تحدثوا أعيادًا أخرى فإنكم تحدثون في دين الله ما لم يشرعه.

لقاء الباب المفتوح · الجزء ٣٥ · الصفحة ٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لقاء الباب المفتوحج ٣٥ · ص ٦