تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى)
ثم قال تعالى مبينًا ما جرى للأمم قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وليعُلم أن ما قص الله عز وجل علينا من أخبار الأمم السابقة له فوائد كثيرة وعبر عظيمة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] فمن ذلك تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه من الأذى القولي والفعلي، فكأن الله يقول له: إن الرسل من قبلك قد أوذوا ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤] ومن ذلك: أن فيها تهديدًا للمكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] .
والعبر في قصص الأنبياء كثيرة، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات:١٥] والخطاب في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [النازعات:١٥] للنبي ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، ويكون على المعنى الأول: هل أتاك يا محمد! وعلى المعنى الثاني: هل أتاك أيها الإنسان! حديث موسى وهو ابن عمران عليه الصلاة والسلام أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم الخمسة الذين هم محمد ﷺ وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وقد ذكروا في القرآن في موضعين أحدهما في الأحزاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] والثاني في الشورى: وهو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣] .
وحديث موسى عليه الصلاة والسلام ذكر في القرآن أكثر من غيره؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام هو نبي اليهود، وهم كثيرون في المدينة وحولها في عهد النبي ﷺ، فكانت أخبار موسى أكثر ما قص علينا من نبأ الأنبياء وأشملها وأوسعها، وفي قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات:١٥] تشويق للسامع ليستمع إلى ما جرى في هذه القصة.