بِالْجَارِيَتَيْنِ الانْصِرَافُ؛ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُوهُمَا، وَقَالَ: مَا أَعْجَلُكُمَا الْيَوْمَ؟! قَالَتَا: وَجَدْنَا رَجُلا صَالِحًا فَسَقَى لَنَا. فَقَالَ: فَمَا سَمِعْتُمَاهُ يَقُولُ؟ قَالَ: قَالَتَا: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خير فقير﴾ [القصص: 24]. قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا جَائِعًا، تَنْطَلِقُ إِلَيْهِ إِحْدَاكُمَا فَتَقُولُ لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا. فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ - قَالَ: عَلَى إِجْلالٍ -؛ قَالَتْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا. قَالَ: فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وَكَانَ طَرِيدًا فِي فَيَافِي الصَّحْرَاءِ، فَأَقْبَلَ وَالْجَارِيَةُ أَمَامَهُ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ، فوصفتها له، وكانت ذا خُلُقٍ، [فَقَالَ لَهَا: كُونِي خَلْفِي]، وَأَرِينِي السَّمْتَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ دَخَلَ، إِذَا طَعَامٌ مَوْضُوعٌ، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَصِبْ يَا فَتًى مِنْ هَذَا الطَّعَامِ. قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: أَعُوذُ بِاللهِ. قَالَ شُعَيْبٌ: وَلِمَ؟ قَالَ مُوسَى: لأَنَّا فِي [أَهْلِ] بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنَا بِمِلْءِ الأَرْضِ ذَهَبًا. قَالَ شُعَيْبٌ: لا وَاللهِ! وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، نُطْعِمُ الطَّعَامَ وَنُقْرِي الضَّيْفَ. فَجَلَسَ مُوسَى، فَأَكَلَ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ عِوَضًا لِمَا سَمِعْتَ مِنْ كَلامِي، فَلأَنْ أَرَى أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آخُذَهَا. فَكَأَنَّ سُلَيْمَانَ أُعْجِبَ بِأَبِي حَازِمٍ. فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَيَسُرُّكَ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِثْلُهُ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّهُ لَجَارِي مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً، مَا كَلَّمْتُهُ بِكَلِمَةٍ قَطُّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ: صَدَقْتَ، إِنَّكَ نَسِيتَ اللهَ فَنَسِيتَنِي، وَلَوْ أَحْبَبْتَ اللهَ؛ لأَحْبَبْتَنِي. قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَتَشْتِمُنِي؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: بَلْ أَنْتَ شَتَمْتَ نَفْسَكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلْجَارِ على جاره حَقًّا؟ فَقَالَ أبَوُ حَازِمٍ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ، وَكَانَتِ الأُمَرَاءُ تَحْتَاجُ إِلَى الْعُلَمَاءِ؛ فَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَفِرُّ بِدِينِهَا مِنَ الأُمَرَاءِ، فَاسْتَغْنَتِ الأُمَرَاءُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ فَشُغِلُوا وَانْتَكَسُوا، وَلَوْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا هَؤُلاءِ يَصُونُونَ عِلْمَهُمْ لَمْ تَزَلِ الأُمَرَاءُ تَهَابُهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَأَنَّكَ إِيَّايَ تُرِيدُ وَبِي تُعَرِّضُ؟! قَالَ: هُوَ مَا تَسْمَعُ. قَالَ: وَقَدِمَ هِشَامٌ المدينة مرة أخرة، فَأَرْسَلَ إلى أَبِي حَازِمٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَازِمٍ! عِظْنِي وَأَوْجِزْ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: اتَّقِ اللهَ! وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ حَلالَهَا حِسَابٌ، وَحَرَامَهَا عَذَابٌ. قَالَ:
لمثل هذا فأعدوا · الصفحة ١٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
لمثل هذا فأعدواص ١٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي