المفردة ( صوتاً ودلالةً وبنيةً وحالاً ) في كل السور القرآنية ، وخير مثالٍ على ذلك سورة الضحى إذ يمكن أن تكتب ، وحسب التشكيلات الأسلوبية للفاصلة ، بالشكل الآتي :
﴿ والضحى ، والليل إذا سجى * ما ودّعكَ ربُّكَ وما قلى * وللآخرة خيرٌ لكَ من الأولى * ألم يجدكَ يتيماً فآوى * ووجدكَ ضالاً فهدى * ووجدكَ عائلاً فأغنى * فأما اليتيمَ فلا تقهر * وأما السائلَ فلا تنهر * وأما بنعمة ربِّكَ فحدِّث ﴾ ( سورة الضحى ) .
فما أن انتقلت الفاصلة من صوت ( الألف ) إلى الراء ، إلا وقد انتقل قبلاً المعنى الدلالي
ذو الجرس المدّي ( الألف ) المناسب لمقام تطمين الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد انقطاع الوحي وإخباره
بعدم (التوديع ولا القلى ) لذلك ما كان أنسب هنا من صوت المدِّ ( الألف ) ليكون فاصلة وجاء اختياره دون أصوات المدِّ الآخر لعذوبته ورقته (( (1) )) ، والتي ناسبت الألفاظ الرقيقة المختارة ( الضحى ، سجى ، ودعك ... ) ذات الجرس الهاديء ، فالألف هو الصوت الذي يمثل الوضوح السمعي الأعلى في أصوات العربية لامتداده (( (2) )) وهو السرُّ في اختيار
( الضحى ) قسماً فدلالة الوضوح هي الملحوظة في كل الاستعمالات الحسية للمادة
( ضحى ) فالضاحية السماء ، وقيل لما ظهر وبدا ضاحية ... (( (3) )) .
أقول ما إن انتقلت الفاصلة حتى انتقل قبلها المعنى لذلك جاءت تبعاً له مناسبةً ما دلّ عليه من أمرٍ وإلزام ، ولما لم يكن الصوت الممتد ملائماً له عُدِلَ عنه إلى صوت ( الراء ) المكرر
الذي يشبه بصوته الإلزام والتأكيد خصوصاً بعد إن جاء بعد الهاء الصوت الحلقي ( ثاني أبعد مخرج صوتي في أصوات العربية ) (( (4) )) مما سيعني امتداداً في النفس لمسافة طويلة نسبياً إلى أن يقطع تماماً عند نطق الراء نتيجة انطباق اللسان على اللثة (( (5) )) .
(1) كثيراً ما ارتبط الواو وحركته ( الضمة ) بمعنى القوة والياء وحركته الكسرة بمعنى الضعف والرقة .
(2) ينظر : علم الأصوات العام 96 .
(3) ينظر : التفسير البياني 1 / 30 .
(4) ينظر : الدراسات الصوتية 192 .
(5) ينظر : علم الأصوات العام 128 .