وإذا كانت هذه حقيقتهم ; فإن ما ينشئونه من مذاهب "علمية ! " اجتماعية وسياسية واقتصادية ; وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني ; يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط , صادر عن أعمى , معطل الحواس الأخرى , محجوبا عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعا - على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها . وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئا ; فضلا على أن يكيف نظرته , ويقيم منهج حياته , على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلا !
إن هذه قضية إيمانية اعتقادية , وليست قضية رأي وفكر ! إن الذي يقيم تفكيره , ويقيم مذهبه في الحياة , ويقيم نظام حياته كذلك , على أساس أن هذا الكون المادي هو منشى ء ذاته , ومنشى ء الإنسان أيضا . . إنما يخطيء في قاعدة الفكر والمذهب والنظام ; فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير ; ولا يمكن أن تلتحم في جزئية واحدة مع حياة مسلم , يقيم اعتقاده وتصوره , ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية الله للكون وخلقه وتدبيره .
ومن ثم يصبح القول بأن ما يسمى "الاشتراكية العلمية " منهج مستقل عن المذهب المادي مجرد جهالة أو هراء ! ويصبح الأخذ بما يسمى "الاشتراكية العلمية " - وتلك قاعدتها ونشأتها ومنهج تفكيرها وبناء أنظمتها - عدولا جذريا عن الإسلام:اعتقادا وتصورا ثم منهجا ونظاما . . حيث لا يمكن الجمع بين الأخذ بتلك "الاشتراكية العلمية " واحترام العقيدة في الله بتاتا . ومحاولة الجمع بينهما هي محاولة الجمع بين الكفر والإسلام . . وهذه هي الحقيقة التي لا محيص عنها . .
إن الناس في أي أرض وفي أي زمان ; إما أن يتخذوا الإسلام دينا , وإما أن يتخذوا المادية دينا . فإذااتخذوا الإسلام دينا امتنع عليهم أن يتخذوا "الاشتراكية العلمية " المنبثقة من "الفلسفة المادية " , والتي لا يمكن فصلها عن الأصل الذي انبثقت منه , نظاما . . وعلى الناس أن تختار . . إما الإسلام , وإما المادية , منذ الابتداء !
إن الإسلام ليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمير . إنما هو نظام قائم على عقيدة . . كما أن "الاشتراكية العلمية " - بهذا الاصطلاح - ليست قائمة على هواء , إنما هي منبثقة انبثاقا طبيعيا من "المذهب المادي" الذي يقوم بدوره على قاعدة مادية الكون وإنكار وجود الخالق المدبر أصلا , ولا يمكن الفصل بين هذا التركيب العضوي . .
ومن ثم ذلك التناقض الجذري بين الإسلام وما يسمى "الاشتراكية العلمية " بكل تطبيقاتها !
ولا بد من الاختيار بينهما . . ولكل أن يختار وأن يتحمل عند الله تبعة ما يختار !!! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 2456)
ثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذى سبق للكافرين أن استهزءوا به ، وبمن نزل عليه فقال - تعالى - : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
أى : إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذى أنكرتموه؛ على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وإنا ﴾ لهذا القرآن ﴿ لحافظون ﴾ من كل ما يقدح فيه ، كالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان والتناقض والاختلاف ، ولحافظون له بالإِعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أو على الإِتيان بسورة من مثله ، ولحافظون له بقيام طائفة من أبناء هذه الأمة الإِسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
قال صاحب الكشاف : " قوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ رد لانكارهم واستهزائهم فى قولهم ﴿ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، ولذلك قال : إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه هو الذى بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظاً من الشياطين ، وهو حافظه فى كل وقت من كل زيادة ونقصان .. . " .