ولكنهم لم يقدروا على شيء واحد - والظروف الظاهرية كلها مهيأة له - . . لم يقدروا على إحداث شيء فيهذا الكتاب المحفوظ , الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه ; وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا يدفع ولا يمنع ; فدل هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب , وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقا تنزيل من عزيز حكيم .
لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد وعد . أما هو اليوم - من وراء كل تلك الأحداث الضخام ; ومن وراء كل تلك القرون الطوال . فهو المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب , والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول:
(إنا نحن نزلنا الذكر , وإنا له لحافظون) . . وصدق الله العظيم . .
ويعزي الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فيخبره أنه ليس بدعا من الرسل الذين لقوا الاستهزاء والتكذيب , فهكذا المكذبون دائما في عنادهم الذميم:
ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون . .
وعلى هذا النحو الذي تلقى به المكذبون أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم , يتلقى المكذبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم به . وعلى هذا النحو نجري هذا التكذيب في قلوبهم التي لا تتدبر ولا تحسن الاستقبال , جزاء ما أعرضت وأجرمت في حق الرسل المختارين:
(كذلك نسلكه في قلوب المجرمين . لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين) . .
نسلكه في قلوبهم مكذبا بما فيه مستهزأ به ; لأن هذه القلوب لا تحسن أن تتلقاه إلا على هذا النحو . سواء في هذا الجيل أم في الأجيال الخالية أم في الأجيال اللاحقة ; فالمكذبون أمة واحدة , من طينة واحدة:
(وقد خلت سنة الأولين) . .
وليس الذي ينقصهم هو توافر دلائل الإيمان , فهم معاندون ومكابرون , مهما تأتهم من آية بينة فهم في عنادهم ومكابرتهم سادرون .
وهنا يرسم السياق نموذجا باهرا للمكابرة المرذولة والعناد البغيض: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون , لقالوا:إنما سكرت أبصارنا , بل نحن قوم مسحورون) . .
ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب يفتح لهم فيها . يصعدون بأجسامهم , ويرون
الباب المفتوح أمامهم , ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها . . ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون:لا . لا . ليست هذه حقيقة . إنما أحد سكر أبصارنا وخدرها فهي لا ترى إنما تتخيل:
(إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) . .
سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر , فكل ما نراه وما نحسه وما نتحركه تهيؤات مسكر مسحور !
يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري . ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء . ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان . وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل . فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة . إنما هم قوم مكابرون . مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف !
إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير , مثيرا لشعور الاشمئزاز والتحقير . .
وهذا النموذج ليس محليا ولا وقتيا , ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين . . إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته , وتستغلق بصيرته , وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي , وينقطع عن الوجود الحي من حوله , وعن إيقاعاته وإيحاءاته .
هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها "المذاهب العلمية ! " وهي أبعد ما تكون عن العلم ; بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة . .
إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله ; ويجادلون في وجوده - سبحانه - وينكرون هذا الوجود . . ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله , والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته , بلا خالق , وبلا مدبر , وبلا موجه . . يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و "أخلاقية ! " كذلك . ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس , والتي لا تنفصل عنه بحال . . "علمية " . . هي وحدها "العلمية " !