ويهدد القرآن المستنصرين بأعداء دينهم , المتألبين عليهم , المنافقين الذين لا يخلصون لله اعتقادهم ولا ولاءهم ولا اعتمادهم . . يهددهم برجاء الفتح أو أمر الله الذي يفصل في الموقف ; أو يكشف المستور من النفاق .
(فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده , فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) .
وعندئذ - عند الفتح - سواء كان هو فتح مكة أو كان الفتح بمعنى الفصل أو عند مجيء أمر الله - يندم أولئك الذين في قلوبهم مرض , على المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى وعلى النفاق الذي انكشف أمره , وعندئذ يعجب الذين آمنوا من حال المنافقين , ويستنكرون ما كانوا فيه من النفاق وما صاروا إليه من الخسران !
(ويقول الذين آمنوا:أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ? حبطت أعمالهم , فأصبحوا خاسرين !) . .
ولقد جاء الله بالفتح يوما , وتكشفت نوايا , وحبطت أعمال , وخسرت فئات . ونحن على وعد من الله قائم بأن يجيء الفتح , كلما استمسكنا بعروة الله وحده ; وكلما أخلصنا الولاء لله وحده . وكلما وعينا منهج الله , وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعنا . وكلما تحركنا في المعركة على هدى الله وتوجيهه . فلم نتخذ لنا وليا إلا الله ورسوله والذين آمنوا . . (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1294)
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها :
ما رواه السدي من أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد : أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه واتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث . وقال الآخر : وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فأواليه وانتصر معه . فأنزل الله تعالى الآيات .
وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر ، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى بني قريظة فسألوه : ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه ، أي : إنه الذبح .
وقيل نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم . وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله . فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبي : يا أبا الحباب ، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه قال : قد قبلت . فأنزل الله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ . . . ﴾ إلى قوله : ﴿ نَادِمِينَ ﴾ .
والخطاب في قوله عز وجل : ﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ ﴾ للمؤمنين جميعا في كل زمان ومكان ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
الأولياء جمع ولي ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب .
والمراد بالولاية هنا : مصافاة أعداء الإِسلام والاستنصار بهم ، والتحالف معهم دون المسلمين .
أي : يا أيها الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . ، لا يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وليا ونصيرا ، أي : لا تصافوهم مصافاة الأحباب ، ولا تستنصروا بهم ، فإنهم جميعا يد واحدة عليكم ، يبغونكم الغوائل ، ويتربصون بكم الدوائر ، فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة؟
وقد نادى - سبحانه - المؤمنين بصفة الإِيمان ، لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه ، إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين - اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن موالاتهما :
وقوله : ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ جملة مستأنفة بمثابة التعليل للنهي ، والتأكيد لوجوب اجتناب المنهي عنه .