تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وها هو ذا كتاب الله يعلمنا - كما علم الجماعة المسلمة الأولى - كيف نتقي كيدهم , وندفع أذاهم , وننجو من الشر الذي تكنه صدورهم , ويفلت على السنتهم منه شواظ:

(وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا . إن الله بما يعملون محيط) . .

فهو الصبر والعزم والصمود أمام قوتهم إن كانوا أقوياء ; وأمام مكرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخداع . الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل ; ولا التنازل عن العقيدة كلها أو بعضها اتقاء لشرهم المتوقع أو كسبا لودهم المدخول . . ثم هو التقوى:الخوف من الله وحده . ومراقبته وحده . . هو تقوى الله التي تربط القلوب بالله , فلا تلتقي مع أحد إلا في منهجه , ولا تعتصم بحبل إلا حبله . . وحين يتصل القلب بالله فإنه سيحقر كل قوة غير قوته ; وستشد هذه الرابطة من عزيمته , فلا يستسلم من قريب , ولا يواد من حاد الله ورسوله , طلبا للنجاة أو كسبا للعزة !

هذا هو الطريق:الصبر والتقوى . . التماسك والاعتصام بحبل الله . وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة الله وحدها , وحققوا منهج الله في حياتهم كلها . . إلا عزوا وانتصروا , ووقاهم الله كيد أعدائهم , وكانت كلمتهم هي العليا . وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعدائهم الطبيعيين , الذين يحاربون عقيدتهم ومنهجهم سرا وجهرا , واستمعوا إلى مشورتهم , واتخذوا منهم بطانة وأصدقاء وأعوانا وخبراء ومستشارين . . إلا كتب الله عليهم الهزيمة , ومكن لأعدائهم فيهم , وأذل رقابهم , وأذاقهم وبال أمرهم . . والتاريخ كله شاهد على أن كلمة الله خالدة ; وأن سنة الله نافذة . فمن عمي عن سنة الله المشهودة في الأرض , فلن ترى عيناه إلا آيات الذلة والإنكسار والهوان . .

إن الإسلام يأمر المسلمين ألا يتخذوا بطانة من هؤلاء . ولكنه لا يحرضهم على مقابلة الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بمثلها . إنما هي مجرد الوقاية للجماعة المسلمة وللصف المسلم , وللكينونة المسلمة . . مجرد الوقاية ومجرد التنبيه إلى الخطر الذي يحيطها به الآخرون . .

أما المسلم فبسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعا ; وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعا ; وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعا ; يتقي الكيد ولكنه لا يكيد , ويحذر الحقد ولكنه لا يحقد . إلا أن يحارب في دينه , وأن يفتن في عقيدته , وأن يصد عن سبيل الله ومنهجه . فحينئذ هو مطالب أن يحارب , وأن يمنع الفتنة , وأن يزيل العقبات التي تصد الناس عن سبيل الله , وعن تحقيق منهجه في الحياة . يحارب جهادا في سبيل الله لا انتقاما لذاته . وحبا لخير البشر لا حقدا على الذين آذوه . وتحطيما للحواجز الحائلة دون إيصال هذا الخير للناس . لا حبا للغلب والاستعلاء والاستغلال . . وإقامة للنظام القويم الذي يستمتع الجميع في ظله بالعدل والسلام . لا لتركيز راية قومية ولا لبناء امبراطورية !

هذه حقيقة تقررها النصوص الكثيرة من القرآن والسنة ; ويترجمها تاريخ الجماعة المسلمة الأولى , وهي تعمل في الأرض وفق هذه النصوص .

إن هذا المنهج خير . وما يصد البشرية عنه إلا أعدى أعداء البشرية . الذين ينبغي لها أن تطاردهم , حتى تقصيهم عن قيادتها . . وهذا هو الواجب الذي انتدبت له الجماعة المسلمة , فأدته مرة خير ما يكون الأداء . وهي مدعوة دائما إلى أدائه , والجهاد ماض إلى يوم القيامة . . تحت هذا اللواء . . (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 717)

قال الفخر الرازى ما ملخصه : اختلفوا فى الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟ فقيل هم اليهود ، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم فى أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من الرضاع والحلف . وقيل هم المنافقون ، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون يظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : ﴿ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين ، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار " .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٣٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٣٠٢