وقوله : ﴿ هزوا ﴾ أي سخرية يقال : فلان هزئ من فلان إذا سخر منه ، واستخف به . وأصله هزءاً ، فأبدلت الهمزة واوا لضم ما قبلها .
وقوله : ﴿ لعبا ﴾ أي ملهاة وعبثا . وأصله من لعاب الطفل . يقال عن الطفل لعب - بفتح العين - إذا سال لعابه .
والمعنى : يأيها الذين اتصفوا بالإِيمان ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ ﴾ الذي هو سر سعادتكم وعزتكم ﴿ هُزُواً وَلَعِباً ﴾ أي : اتخذوه مادة لسخريتهم وتهكمهم ، وموضعا لعبثهم ولهوهم .
و ﴿ من ﴾ في قوله : ﴿ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَآءَ ﴾ بيانية .
أي : مبينة لأولئك الذين يستهزئون بدين الله ويجعلونه موضع عبثهم .
والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى .
وسموا بذلك؛ لأن أصل شرعهم ينتمي إلى كتاب منزل هو التوراة والإِنجيل .
وفي وصفهم بذلك هنا ، توبيخ لهم ، حيث إنهم استهزؤوا بالدين الحق ، مع أن كتابهم ينهاهم عن ذلك .
والمراد بالكفار هنا المشركون الذين لا كتاب لهم .
وقرأ الجمهور ﴿ والكفار ﴾ بالنصب عطفا على ﴿ الذين اتخذوا دِينَكُمْ ﴾ المبين بقوله : ﴿ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ .
وقرأ أبو عمرو والكسائي ( الكفار ) بالجر عطفا على ﴿ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ .
وقرأ : ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي : نصراء وأصفاء . وهو المفعول الثاني لقوله ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ والآية الكريمة تنهى المؤمنين عن ولاية كل عدو لله - تعالى - ولهم سواء أكان هذا العدو من أهل الكتاب أم من المشركين؛ لأن الجميع يشتركون في الاستهزاء بتعاليم الإِسلام ، وفي العبث بشعائره .
وقوله : ﴿ واتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ تذييل قصد به استنهاض همتهم لامتثال أمر الله - تعالى - وإلهاب نفوسهم حتى يتركوا موالاة أعدائهم بسرعة ونشاط .
أي : واتقوا الله في سائر ما أمركم به وما نهاكم عنه ، فلا تضعوا موالاتكم في غير موضعها ، ولا تخالفوا لله أمراً . إن كنتم مؤمنين حقا ، ممتثلين صدقا ، فإن وصفكم بالإِيمان يحتم عليكم الطاعة التامة لله رب العالمين .
ثم ذكر - سبحانه - بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره ، فقال - تعالى - : ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .
والمراد بالنداء للصلاة : الإِعلام بها عن طريق الأذن .
قال القرطبي : كان إذا أذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قاموا لا قاموا ، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا .
وقالوا في حق الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم . فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمحه من أمر .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله : ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ﴾ قال : كان رجل من النصارى بالمدينة ، إذا سمع المنادي ينادي : أشهد أن محمدا رسول الله . قال : حرف الكاذب . فدخل خادمه ليلا من الليالي بنار ، وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت . فاحترق هو وأهله .
وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها .
أي : وإذا ناديتم - أيها المؤمنون - بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان ، اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم .
واسم الإِشارة في قوله : ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ يعود إلى ما كان منهم من استهزاء وسخرية
أي : ذلك الذي صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم سفهاء جهلاء ، لا يدركون الأمور على وجهها الصحيح ، ولا يستجيبون للحق الذي ظهر لهم بسبب عنادهم وأحقادهم .
قال ابن كثير : هذا تنفير من موالاة أعداء الإِسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإِسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دينوي وأخروي ، يتخذونها هزوا يستهزئون بها ، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد ، وفكرهم البارد ، كما قال القائل .