تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني , وفي تفسير الوجود , وغاية الوجود الإنساني . وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها , وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضا . . أما التلقي في شيء من هذا كله , فهو الذي تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأيسر شيء منه . وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته . وهي الكفر الصراح . .

هذا هو توجيه الله - سبحانه - وهذا هو هدى رسوله صلى الله عليه وسلم فأما نحن الذين نزعم أننا مسلمون , فأرانا نتلقى في صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم عن المستشرقين وتلامذة المستشرقين ! وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا للوجود والحياة من هؤلاء وهؤلاء , ومن الفلاسفة والمفكرين:الإغريق والرومان والأوروبيين والأمريكان ! وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة ! وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن , الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين . . أي دين . . ثم نزعم - والله - أننا مسلمون ! وهو زعم إثمه أثقل من إثم الكفر الصريح . فنحن بهذا نشهد على الإسلام بالفشل والمسخ . حيث لا يشهد عليه هذه الشهادة الآثمة من لا يزعمون - مثلنا - أنهم مسلمون !

إن الإسلام منهج . وهو نهج ذو خصائص متميزة:من ناحية التصور الاعتقادي , ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها . ومن ناحية القواعد الأخلاقية , التي تقوم عليها هذه الارتباطات , ولا تفارقها , سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية . وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها . فلا بد أن تكون هناك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية . ومما يتناقض مع طبيعة القيادة - كما أسلفنا - أن تتلقى هذه الجماعة التوجيهات من غير منهجها الذاتي . .

ولخير البشرية جاء هذا المنهج يوم جاء . ولخير البشرية يدعو الدعاة لتحكيم هذا المنهج اليوم وغدا . بل الأمر اليوم الزم , والبشرية بمجموعها تعاني من النظم والمناهج التي انتهت إليها ما تعاني . وليس هناك منقذ إلا هذا المنهج الإلهي , الذي يجب أن يحتفظ بكل خصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى .

لقد أحرزت البشرية انتصارات شتى في جهادها لتسخير القوى الكونية . وحققت في عالم الصناعة والطب ما يشبه الخوارق - بالنسبة للماضي - وما تزال في طريقها إلى انتصارات جديدة . . ولكن ما أثر هذا كله في حياتها ? ما أثره في حياتها النفسية ? هل وجدت السعادة هل وجدت الطمأنينة ? هل وجدت السلام ? كلا ! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف . . والأمراض العصبية والنفسية , والشذوذ والجريمة على أوسع نطاق ! . . إنها لم تتقدم كذلك في تصور غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية . . وحين تقاس غاية الوجودالإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر , إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب , تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة ! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود , وتسفل به , وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه ! . . والخواء يأكل قلب البشرية المكدود , والحيرة تهد روحها المتعبة . . إنها لا تجد الله . . لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة . والعلم الذي كان من شأنه , لو سار تحت منهج الله , أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من الله , هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطا بسبب انطماس روحها ونكستها . . إنها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه الله لها ووهبها الاستعداد له . ولا تجد المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون , وفطرتها وفطرة الكون , وقانونها وناموس الكون . ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها , وآخرتها ودنياها , وأفرادها وجماعاتها , وواجباتها وحقوقها . . تنسيقا طبيعيا شاملا مريحا . .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٢٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٢٩٣