ويكون المتعلم أول الأمر عاجزاً عن الفهم بالجملة إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب والإجمال وبالأمثال الحسية . ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلاً قليلاً بمخالطة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه حتى تتم الملكة في الاستعداد ثم في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفن . وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه . وإنما أتى ذلك من سوء التعليم . أهـ _ بطولِهِ _.
ثانيها : الاعتمادُ على متنٍ مُعتمدٍ ، فليس أخذُ المتون مما يفتقرُ إلى استحسان الطالب ، و لا إلى استلذاذه به ، و إنما أخذُ المتون و قراءتها مُقَنَّنٌ بقوانين و قواعدَ عند أهل العلم ، و على هذا كان جَرْيُهم في الإقراء و التدريس .
قال العلامة المرعشي الشهير بساجقلي زاده " ترتيب العلوم " ( ص 80 ): المنقول من سيرهم ، و المتبادر من كلماتهم في مؤلفاتهم أنهم تناولوا متون الفنون المعتبرة و هي مسائلها المشهورة . أهـ.
و من الغلطِ في الطلب إغفالُ هذه الخاصية في التعليم ، فإن إهمالَها مما يسبب تخبطُّاً في التعلُّم ، درى ذلك من دراهُ و جهلَه من جهلَه .
ثالثها : لزومُ عالمٍ مُحْسِنٍ للعلم ، قال ابنُ جماعة _ رحمه الله _ " التذكرة " ( 169_170 ) : و لْيَحْذر من الاعتماد في ذلك _ أي : استشراحُ المتون _ على الكتبِ أبداً ، بل يعتمدُ في كلِّ فنٍّ مَنْ هو أحسنُ تعليماً له ، و أكثرُ تحقيقاً فيه و تحصيلاً منه ، و أخبرهم بالكتاب الذي قرأه . أ،هـ.
و هذا النقلُ من ابن جماعةَ _ رحمه الله _ يفيدنا أموراً ثلاثة :
أولها : النهي عن استشراح المتون من الكتبِ دون الأخذ عن الأشياخ .
ثانيها : الأخذُ عن الشيخ المتقن للفن ، المحقق فيه .