- لم يتعد الإنكار في هذه المسألة الاجتهادية هذا القدر، بل عاد ابن مسعود عملياً فتابع عثمان، وقال: الخلاف شر . وهذا يوضح بجلاء أن الصحابة كانوا ينكرون على بعضهم، ويخطئون الاجتهاد، لم يقولوا: لا إنكار في مختلفٍ فيه، ولا قالوا: الخلاف رحمة واسعة، بل ابن مسعود يقول: الخلاف شر.. ولم يقولوا: كل مجتهدٍ مصيب، بل خطَّأ بعضهم بعضاً في عددٍ من المسائل الفقهية (الفرعية).. ولم يجعلوا أحداً فوق النقد، ولكنهم لم يفسدو الأخوة العامة، وواجباتها القطعية بمثل هذه المسألة، بل بعد أن يبين أحدهم حجته، ويُظْهِرَ خطأ الآخر يبقي يقره على اجتهاده، بغض النظر عن مخالفته له في نتيجة هذا الاجتهاد «وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريقٍ للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك»(1)[58]).
بيد أنه من المفارقات المؤلمة في الواقع الإسلامي المعاصر أن نشاهد صورتين طاغيتين:
الأولى: قد ترى من يقوم بالنقد والتذكير الشرعي في مسألة فيها نص شرعي فإذا تمَّ التذكير به ثار المذكَّر على المذكِّر، وأشهر في وجهه سلاحاً قاطعاً لكل تذكيرٍ ونصحٍ وحوارٍ، هو سلاح (المسألة خلافية) و(لا إنكار في مسائل الخلاف)…وقد تصادَرُ بمثل ذلك النصوص المعصومة ابتداءً، ويُصادَر العمل بمقتضاها تبعاً كما قال الشوكاني، رحمه الله تعالى: «وربما يقوم في وجهه(2)[59]) من يريد تقويم الباطل فيقول له: (لا إنكار في مسائل الاجتهاد)»(3)[60])، فتصادر النصوص باسم أن الأفهام متغايرة، ولا بد من قبول الرأي الآخر .
(1) 58]) فتاوى ابن تيمية،19/ 122.
(2) 59]) يعني من يُذَكِّرُ بالنصوص .
(3) 60]) السيل الجرار،3/ 218 .