غير أنه لا يُظَنُّ أن أحداً يخالف أن التقليد، لا بالمعنى الذي ذكره هؤلاء الأعلام من اتباع كل خطأ وصواب استبان فيه ذلك، يجوز عند الضرورة حتى للعالم فضلاً عن العامي، ومن ذلك إذا لم يظفر العالم بنصٍ من الكتاب أو السنة، ولم يجد إلا قول من هو أعلم منه، فيقلده. أما التقليد المحرم فهو أن يكون العالم متمكناً من معرفة الحق بدليله، ثم مع ذلك يعدل إلى التقليد، فهو كمن يعدل إلى الميتة مع قدرته على المذكى. والتقليد إنما هو لمن لم يكن قادراً على الاجتهاد، أو كان قادراً عليه لكن لم يجد الوقت لذلك، فهي حال ضرورة كما قال ابن القيم. وقد أفتى الإمام أحمد بقول الشافعي، وقال: إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبراً أفتيت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا قريشاً، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً»(1)[112]).
ومن الناحية الدعوية فالأمر ظاهر في واقع الناس، فلا يمكن أن يكون عند كل منهم أهلية الاجتهاد صغيراً وكبيراً وذكراً وأنثى.
بين المسائل الخلافية
والمسائل الاجتهادية
انتهينا في ما سبق إلى تأكيد أهمية وجوب الرجوع عند التنازع للنص المعصوم، وأن لا يُجعل الخلاف مرجعاً عند التحاكم، وأن يُطّرَح التشهي والهوى عند تعاطي مسائل الشريعة التي اختلفت فيها الأنظار، وخاصة في المسائل المتنازع عليها مما تعم به البلوى، ويشتهر؛ إذ يحاول كل عالمٍ إبراز أدلته ووجهته فيها، فتكون فرصة للاستماع إلى الأدلة، ثم الأخذ بما تطمئن إليه النفس من غير تشهٍ ولا هوى.
وفي هذا القسم من البحث محاولة للتفريق بين المسائل الخلافية والمسائل الاجتهادية، وتحديد الموضع الصحيح للاستشهاد بقاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، انطلاقاً من كونها لا تدخل في جميع مسائل الخلاف، كما يُوهِم منطوقها.
الفرق بين المسائل الخلافية والمسائل الاجتهادية
(1) 112]) انظر الموسوعة الفقهية، 13/ 162 .