قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة (الزخرف: 22). وقال:
قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا (المائدة: 104)، وقد قلت أنت:
أغري الناس بامتداح القديم
وبذم الجديد غير ذميم
ليس إلا لأنهم حسدوا الح
ي ورقوا على العظام الرميم
وقلت في هذا المعنى:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئا
ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان جديدا
وسيغدو هذا الجديد قديما
فلا يرعك أن تجري على منهاج الحق في جميع الخلق؛ فبه قامت السماوات والأرض، وبه أحكم الإبرام والنقض، وسأمثل لك في ذلك مثالا، وأملأ أسماعك مقالا، وفهمك عدلا واعتدالا.
هذا امرؤ القيس أقدم الشعراء عصرا، ومقدمهم شعرا وذكرا، وقد اتسعت الأقوال في فضله اتساعا لم يفز غيره بمثله، حتى إن العامة تظن - بل توقن - أن جواد شعره لا يكبو، وحسام نظمه لا ينبو، وهيهات من البشر الكمال، ومن الآدميين الاستواء والاستدلال، يقول في قصيدته المقدمة، ومعلقته المفخمة.
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة
فقالت لك الويلات إنك مرجلي
فما كان أغناه عن الإقرار بهذا! وما أشك غفلته عما أدركه من الوصمة به؛ وذلك أن فيه أعدادا كثيرة النقض والبخس منها: دخوله متطفلا على من كره دخوله عليه، ومنها: قول عنيزة له: لك الويلات! وهي قولة لا تقال إلا لخسيس، ولا يقابل بها رئيس؛ فإن احتج محتج بأنها كانت أرأس منه، قيل له: لم يكن ذلك لأن الرئيسة لا تركب بعيرا يدرج أو يموت إذا ازداد عليه ركوب راكب بل هو بعير فقير حقير؛ فإن احتج له بأنه صبر على القول من أجل أنها معشوقة، قيل له: وكيف يكون عاشقا لها من يقول لها:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا
فألهيتها عن ذي تمائم محول
وإنما المعروف للعاشق الانفراد بمعشوقته وإطراح سواها، كالقيسين في ليلى ولبنى، وغيلان بمية، وجميل ببثينة، وسواهم كثير، فلم يكن لها عاشقا بل كان فاسقا، ثم أهجن هجنة عليه، وأسخن سخنة لعينيه، إقراره بإتيان الحبلى والمرضع! فأما الحبلى فقد جبل الله النفوس على الزهد في إتيانها، والإعراض عن شأنها، منها أن الحبل علة وأشبه العلل بالاستسقاء، ومع الحبل كمود اللون، وسوء الغذا، وفساد النكهة، وسوء الخلق وغير ذلك، ولا يميل إلى هذا من له نفس سوقي، دع نفس ملوكي، وأعجب من هذا أن البهائم كلها لا تنظر إلى ذوات الحمل من أجناسها، ولا تقرب منها حتى تضع أحمالها، أو تفارق فصلانها، ثم لم يكفه أن يذكر الحبلى حتى افتخر بالمرضع، وفيها من التلويث بأوضار رضيعها، ومن اهتزالها واشتغالها عن إحكام اغتسالها، وقد أخبر أن ذا التمائم المحول متعلق بها بقوله:
فألهيتها عن ذي تمائم محول
وأخبر أنها ظئر ولدها لا ظئر له ولا مرضع سواها، فدل بذلك على أنها حقيرة وفقيرة، ومثل هذه لا يصبو إليها من له همة. وهذه الصفات كلها تستقذرها نفس الصعلوك والمملوك، وقد قال أيضا في موضع آخر من هذا الباب من قصيدة أخرى:
سموت إليها بعد ما نام أهلها
سمو حباب الماء حالا على حال
فقالت لحاك الله إنك فاضحي
ألست ترى السمار والناس أحوالي
حلفت لها بالله حلفة فاجر
لناموا فما آن من حديث ولا صالي
فأخبر ههنا أنه هين القدر عند النساء وعند نفسه برضاه قولها: لحاك الله، فحصل على لحاك الله من هذه، ولك الويلات من تلك، فشهد على نفسه أنه مكروه مطرود غير مرغوب في مواصلته، ولا محروص على معاشرته، ولا مرضي بمشاكلته، ثم أخبر عن نفسه أنه رضي بالحنث والفجور، وهذه أخلاق لا خلاق لها، ثم أقر في مكان آخر من شعره بما يكتمه الأحرار، ولا ينم بفتحه إلا الأوضاع الأشرار فقال:
ولما دنوت تسديتها
فثوبا نسيت وثوبا أجر
وأي فخر في الإقرار بالفضيحة على نفسه وعلى حبه؟! وأين هذا من قول يعقوب الخزيمي:
ولا أسأل الولدان عن وجه جارتي
بعيدا ولا أرعاه وهو قريب
وإنما سهل عليه كل هذا، حرصه على ما كان ممنوعا منه، وذلك أنه كان مبغضا إلى النساء جدا، مفروكا ممن ملك عصبتها لأسباب كثيرة ذكرت، وكل من حرص على نيل شيء فمنع منه فعلا، ادعاه قولا، وله أشباه فيما أتاه، يدعون ما ادعاه إفكا وزورا وكذبا وفجورا، منهم الفرزدق، وهو القائل: