وكقول الآخر: والشيخ عثمان أبو عفان.
وكقول الآخر:
وسائلة بثعلبة بن سير
وقد علقت بثعلبة العلوق
أراد ابن سيار، وكقول النابغة: ونسج سليم كل قضاء زائل. يريد سليمان، وكذلك ينبغي في الرسائل ألا يصغر الاسم موضع التعظيم، وإن كان ذلك جائزا على مثل قولهم: دويهية وجذيل وعذيق، ومما لا يجوز في الرسائل: كلمت إياك وأعني إياك.
وإساءة النظم في التأليف في الشعر كثير، وتكون الكلمة بشعة حتى إذا وضعت موضعها وقرنت مع أخواتها حسن حالها وراقت، كقول الحسن بن هاني:
ذو حضر أفلت من كد القبل
والكد كلمة قلقة؛ لا سيما في الرقيق والغزل والتشبيب، غير أنها لما وقعت في موضعها حسنت، كما أن اللفظة العذبة إذا لم توضع موضعها نفرت، قال:
رأت عارضا جونا فقامت غريرة
بمسحانها قبل الظلام تبادره
فأوقع الجلف الجافي هذه اللفظة غير موقعها وظلمها؛ إذ جعلها في غير مكانها؛ لأن المساحي لا تكون ولا تصلح للغرائر، وأين كان عن قول الشاعر:
غرائر ما حدثن يهدين آنسه
فما فوقه منهن غير غرائر
حديث لو ان العصم تدعى به أتت
ودون يد الفحشاء حد البواتر
فتخير من الألفاظ أرجحها وزنا، وأجزلها معنى، وأليقها في مكانها، وليكن في صدر كتابك دليل واضح على مرادك، وافتتاح كلامك برهان شاهد على مقصدك، حيثما جريت فيه من فنون العلم ونزعت نحوه من مذاهب الخطب والبلاغات؛ فإن ذلك أجزل لمعناك وأحسن لاتساق كلامك، ولا تطيلن صدر كلامك إطالة تخرجه من حده، ولا تقصر به عن حقه. ولو صور اللفظ وكان له حد لوقفتك عليه، غير أنهم في الجملة كرهوا أن يزيدوا سطور كتب الملوك على سطرين، وهذه إشارة لا تعبر إلا عن الجملة من المقصود إليه؛ لأن الأسطر غير محدودة.
واعلم أن أول ما ينبغي لك أن تصلح آلتك التي لا بد لك منها، وأدواتك التي لا تتم صناعتك إلا بها وهي: دواتك، فابدأ بعمارتها وإصلاحها وتخير لها ليقة نقية من الشعر والودج؛ لئلا يخرج على حرف قلمك ما يفسد كتابك، ويشغلك بتنقيته، وخذ من المداد الفارسي خمسة دراهم، ومن الصمغ العربي درهما، وعفصا مسحوقا نصف درهم، ورماد القرطاس المحرق درهمين، ثم تسحقها وتغربلها وتجمعها ببياض البيض، ثم بندقها واجعلها في الظل، فإذا احتجت إليها أخذت منها مقدار حاجتك، فكسرته وحشوت به دواتك، وإذا نقعته في ماء السلق حتى ينحل ويذوب ويختمر، ثم أمددت من مائه دواتك كان أجود وأنقى، ثم اختر بعد ذلك من أنابيب القلم الذي يصلح لكتابة القراطيس: أقله عقدة، وأكثفه لحما، وأجلبه قشرا، وأعدله استواء، وتجنب الأقلام الفارسية ما استطعت؛ فإنها ما تصلح إلا للكواغد والرقوق.
واجعل لقلمك براية حادة؛ فإن تعثر يد الكاتب وقت قطع القرطاس ناقص مروءته ومخل بظرفه، وإن قدرت ألا تقطع القرطاس، إذا فرغت من كتابك إلا بخرطوم قلمك فافعل؛ فإن ذلك أكمل لمروءتك وأبدع لظرفك وقطعك.
واستعمل لبري القلم سكينا طواويسيا مذلق الحد وميض الطرف، فيكون ذلك عونا لك على بري أقلامك؛ فإن محل القلم من الكاتب محل الرمح من الفارس، ولإن قيل: كأنه الرمح الرديني، فقد قال الكاتب: كأنه القلم البحري. وتفقد الأنبوبة قبل بريكها؛ لئلا تجعلها منكوسة، وأبرها من ناحية نبات القصبة، وأرهف ما قدرت جانبي قلمك؛ ليرد ما انتشر من المداد ولا تطل شقه؛ فإن القلم لا يمج المداد من شقه إلا مقدار ما احتملت شبتاه، فارفع شبتيه ليجمعا لك حواشي تحضيره، وأما قط القلم فعلى قدر القلم الذي يتعاطاه الكاتب من الخط، غير أن المسلسل لا يكاد يتسلسل إلا بالقلم المربع القط، كما أن كتب الملوك والسجلات لا تحسن إلا بالقلم المحرف الكوفي، وأما قلم اللازورد فهو المعتمد عليه، والمقصود إليه في النوائب والمهمات.
ورأيت كثيرا من الكتاب يختارون قلم النرجس لتجعده وتجانسه، ومن اللازورد أبسط منه وأقوم حروفا، وأما الموشع والمولع والمدبج والمنمنم والمسهم، فعلى قدر رشاقة خط الكاتب وحلاوة قلمه، وأما حسن الخط فلا حد له، قال علي بن زيز النصراني الكاتب: أعلمك الخط في كلمة واحدة لا تكتبن حرفا، حتى تستفرغ مجهودك في كتابة الحرف المبدوء به، وتجعل في نفسك أنك لا تكتب غيره، حتى لا تعجل عنه إلى غيره، وإياك والنقط والشكل في كتابك، إلا أن تمر بالحرف المعضل الذي تعلم أن المكتوب إليه يعجز عن استخراجه، فلأن يشكل علي الحرف أحب إلي من أن يعاب بالنقط والإعجام. وقال المأمون لكتابه: إياي والشونيز في كتبكم، يعني: النقط؛ ولذلك قال ابن هاني: