اعلم - أيدك الله: أن أدوات ديوان جميع المحاسن، وآلات المكارم طاعة منقادة لهذه الصناعة التي خطبتها وتالية تابعة لها، وغير خارجة إلى جحد أحكامها، ولا دافعة لما يلزمها الإقرار به لها، إضرارا منها إليها وعجزا عنها؛ فإن تقاضتك نفسك علمها ونازعتك همتك إلى طلبها؛ فاتخذ البرهان دليلا شاهدا والحق إماما قائدا، يقرب مسافة ارتيادك، ويسهل عليك سبل مطالبها، واستوهب الله توفيقا تستنجح به مطالبك، واستمنحه رشدا يقبل إليك بوجه مذاهبك، فاقصد في ارتيادك، وتأمل الصواب في قولك وفعلك، ولا تسكن إلى جحود قصد السابق باللجاج، ولا تخرج إلى إهمال حق المصيب بالمعاندة والإنكار، ولا تستخف بالحكمة ولا تصغرها، حيث وجدتها فترحل نافرة عن مواطنها من قلبك، وتظعن شاردة عن مكانها من بالك، وتتعفى بعد العمارة من قلبك آثارها، وتنطمس بعد الوضوح أعلامها.
واعلم أن الاكتساب بالتعلم والتكلف، وطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء؛ فإن أردت خوض بحار البلاغة وطلبت أدوات الفصاحة، فتصفح من رسائل المتقدمين ما تعتمد عليه، ومن رسائل المتأخرين ما ترجع إليه في تلقيح ذهنك، واستنجاح بلاغتك، ومن نوادر كلام الناس ما تستعين به، ومن الأشعار والأخبار والسير والأسماء ما يتسع به منطقك، ويعذب به لسانك ويطول به قلمك.
وانظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب، ومعاني العجم وحدود المنطق وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم، وتوقيعاتهم وسيرهم ومكايدهم في حروبهم، بعد أن تتوسط في علم النحو والتصريف واللغة والوثائق والشروط؛ ككتب السجلات والأمانات؛ فإنه أول ما يحتاج إليه الكاتب وتمهر في نزع آي القرآن في مواضعها، واجتلاب الأمثال في أماكنها واختراع الألفاظ الجزلة، وقرض الشعر الجيد وعلم العروض؛ فإن تضمين المثل السائر والبيت الغابر مما يزين كتابتك، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر، فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء والجلة الرؤساء عيب واستهجان للكتب، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له؛ فإن ذلك مما يزيد في أبهته، ويدل على براعته، وإن شدوت من هذه العلوم ما لا يشغلك محله، وتنقبت من هذه الفنون ما تستعين به على إطالة قلمك، وتقويم أود بيانك.
بعد أن يكون الكاتب صحيح القريحة، حلو الشمائل، عذب الألفاظ، دقيق الفهم، حسن القامة، بعيدا من الفدامة، خفيف الروح، حاذق الحسن، محنكا بالتجربة، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامهما، وبالملوك وسيرها وأيامها، وبالدهور في تقلبها وتداولها مع براعة الأدب، وتأليف الأوصاف، ومشاكلة الاستعارة، وحسن الإشارة، وشرح المعنى بمثله من القول حتى تنصب صورا منطقية تعرب عن أنفسها، وتدل على أعيانها؛ لأن الحكماء قد شرطوا في صفات الكتاب طول القامة، وصغر الهامة، وخفة اللهاذم، وكثافة اللحية، وصدق الحس، ولطف المذهب وحلاوة الشمائل وملاحة الزي، حتى قال بعض المهالبة لولده: تزيوا بزي الكتاب؛ فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة.
وخاطب كلا على قدر أبهته، وجلالته، وعلوه وارتفاعه، وتفطنه وانتباهه، واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام: فأربعة منها للطبقة العلوية وأربعة دونها، ولكل طبقة منها درجة، ولكل قسمة حظ لا يتسع للكاتب البليغ أن يقصر بأهلها عنها، ويقلب معناها إلى غيرها: فالطبقة العليا الخلافة التي أعلى الله شأنها عن مساواتها بأحد من أبناء الدنيا في التعظيم والتوقير والمخاطبة والترسل. والطبقة الثانية الوزراء والكتاب الذين يخاطبون الخلفاء بعقولهم وألسنتهم، ويرتقون الفتوق بآرائهم ويتجملون بآدابهم. الطبقة الثالثة أمراء ثغورهم، وقواد جيوشهم، يخاطب كل امرئ على قدره وبما حمل من أعباء أمورهم وجلائل أعمالهم. الطبقة الرابعة القضاة؛ فإنهم وإن كان لهم تواضع العلماء وحلية الفضلاء، فمعهم أبهة السلطنة وهيبة الأمراء.