تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحذر أن تكل مباشرة عرضهم إلى أحد من أعوانك أو كتابك؛ فإنك إن وكلته إليهم أضعت موضع الحزم، وفرطت حيث الرأي، ووقفت دون الحزم، ودخل عملك ضياع الوهن وخلص إليك عيب المحاباة، وناله فساد المداهنة، وغلب عليه من لا يصلح أن يكون طليعة للمسلمين، ولا عدة ولا حصنا يدرءون به ويكتنفون بموضعه.

واعلم أن الطلائع عيون وحصون للمسلمين: فهم أول مكيدتك، وعروة أمرك، وزمام حربك، فليكن اعتناؤك بهم، بحيث هم من مهم عملك ومكيدة حربك، ثم انتخب لهم رجلا للولاية عليهم، بعيد الصوت مشهور الفضل نبيه الذكر له في العدو وقعات معروفات وأيام طوال وصولات متقدمات، قد عرفت نكايته وحذرت شوكته وهيب صوته، وتنكب لقاؤه، أمين السريرة ناصح الغيب، قد بلوت منه ما يسكنك إلى ناحيته من لين طباعه، وخالص المودة، ونكاية الصرامة وغلوب الشهامة، واستجماع القوة وحصافة التدبير، ثم تقدم إليه في حسن سياستهم واستنزال طاعتهم واجتلاب موداتهم واستعداد ضمائرهم وأجر عليهم أرزاقا تسعهم، وتمد من أطماعهم سوى أرزاقهم في العامة، وفي ذلك من القوة لك عليهم والاستنامة إلى ما قبلهم.

واعلم أنهم في أهم الأماكن لك، وأعظمها غناء عنك وعمن معك وأقمعها مكمنا، وأشجى لعدوك، ومتى يكن في البأس والثقة والجلد والطاعة والقوة والنصيحة، حيث وصفت لك وأمرتك به تضع عنك مؤنة الهم، وترخي عن خناقك دروع الخوف، وتلتجئ إلى أمر متين، وظهر قوي وأمر حازم تأمن به فجآت عدوك، ويصير إليك علم أحوالهم ومتقدمات خيولهم، فانتخبهم رأي عين، وقوهم بما يصلحهم من المنالات والأطماع والأرزاق، واجعلهم منك بالمنزل الذي هم به من محارز علامتك، وحصانة كهوفك ، وقوة سيارة عسكرك، وإياك أن تدخل فيهم أحدا بشفاعة أو تحتمله على هوادة، أو تقدمه منهم لأثرة، وأن يكون مع أحد منهم بغل نقل أو فضل من الظهر أو ثقل فادح، فيشتد عليهم مؤنة أنفسهم، ويدخلهم كلال السآمة فيما يعالجون من أثقالهم، ويشتغلون به عن عدوهم إن دهمهم منه رائع، أو فاجأهم لهم طليعة، فتفقد ذلك محكما له، وتقدم فيه آخذا بالحزم في إمضائه - أرشدك الله لإصابة الحظ، ووفقك ليمن التدبير.

ولدراجة عسكرك وإخراج أهله إلى مصافهم، ومراكزهم رجلا من أهل بيوتات الشرف محمود الخبرة معروف النجدة، ذا سن وتجربة، لين الطاعة قديم النصيحة مأمون السريرة، له بصيرة في الحق تقدمه، ونية صادقة عن الادهان تحجزه واضمم إليه عدة من ثقات جندك وذوي أسنانهم يكونون شرطة معه، ثم تقدم إليه في إخراج المصاف وإقامة الأحراس، وإذكاء العيون، وحفظ الأطراف وشدة الحذر.

ومره فليضع القواد بأنفسهم مع أصحابهم في مصافهم، كل قائد بإزاء موضعه، وحيث منزله قد شد ما بينه وبين صاحبه بالرماح شارعة والتراس موضونة، والرجال راصدة ذاكية الأحراس وجلة الروع، خائفة طوارق العدو وبياته، ثم مره أن يخرج كل ليلة قائدا من أصحابه أو عدة منهم إن كانوا كثيرا على غلوة أو غلوتين من عسكرك، محيطا بمنزلك ذاكية أحراسه؛ قلقه التردد مفرطة الحذر، معدة للروع متأهبة للقتال آخذة على أطراف العسكر ونواحيه، متفرقين في أخلافهم كردوسا كردوسا يستقبل بعضهم بعضا في الاختلاف ويكسع متقدما في التردد، فاجعل ذلك بين قوادك وأهل عسكرك نوبا معروفة وحصصا مفروضة، لا يعد منه مزدلفا بمودة، ولا يتحامل على أحد فيه بموجدة، إن شاء الله.

فوض إلى أمراء جندك وقوادهم أمور أصحابهم، والأخذ على أيديهم رياضة منك لهم على السمع والطاعة لأمرائهم والاتباع لأمرهم، والوقوف عند نهيهم، وتقدم إلى أمراء الأجناد في النوائب التي ألزمتهم إياها، والأعمال التي استنجدتهم لها، والأسلحة والكراع التي كتبتها عليهم، واحذر اعتلال أحد من قوادك عليك، بما يحول بينك وبين جندك وتقويمهم لطاعتك وقمعهم عن الإخلال بمراكزهم لشيء مما وكلوا به من أعمالهم؛ فإن ذلك مفسدة للجند معي للقواد عن الجد والمناصحة، والتقدم في الأحكام.

رسائل البلغاء · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٥٣