تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما اختلاف الأحكام، إما شيء مأثور عن السلف غير مجمع عليه يدبره قوم على وجه، ويدبره آخرون على وجه آخر، فينظر فيه إلى أحق الفريقين بالتصديق، وأشبه الأمرين بالعدل، وإما رأي أجراه أهله على القياس، فاختلف وانتشر ما يغلط في أصل المقايسة، وابتدأ أمر على غير مثاله، وإما لطول ملازمته القياس؛ فإن من أراد أن يلزم القياس ولا يفارقه أبدا في أمر الدين والحكم، وقع في الورطات ومضى على الشبهات، وغمض على القبيح الذي يعرفه ويبصره، فأبى أن يتركه كراهة ترك القياس، وإنما القياس دليل يستدل به على المحاسن، فإذا كان ما يقود إليه حسنا معروفا أخذ به، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك لأن المبتغي ليس غير القياس يبغي، ولكن محاسن الأمور ومعروفها وما ألحق الحق بأهله. ولو أن شيئا مستقيما على الناس ومنقادا حيث قيد، لكان الصدق هو الذي أولى أن يعتبر بالمقاييس؛ فإنه لو أراد أن يقوده الصدق لم ينقد له، وذلك أن رجلا لو قال: أتأمرني أن أصدق، فلا أكذب كذبة أبدا لكان جوابه أن يقول: نعم، ثم لو التمس منه قود ذلك فقال: أتصدق في كذا وكذا، حتى يبلغ به أن يقول الصدق في رجل هارب استدلني عليه طالب ليظلمه فيقتله لكسر عليه قياده. وكان الرأي له أن يترك ذلك، وينصرف إلى المجمع عليه المعروف المستحسن.

ومما يذكر به أمير المؤمنين أهل الشام؛ فإنهم أشد الناس مؤنة وأخوفهم عداوة وبائقة. وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة، ولا يطمع منهم في الاستجماع على المودة، فمن الرأي في أمرهم أن يختص أمير المؤمنين منهم خاصة ممن يرجو عنده صلاحا، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء؛ فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى، ويدخلوا فيما حملوا عليه من أمرهم، فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام. وليس أحد في أمر أهل السلم على القصاص حرموا، كما كانوا يحرمون الناس وجعل فيئهم إلى غيرهم، كما كان فيء غيرهم إليهم، ونحوا عن المنابر والمجالس والأعمال، كما كانوا ينحون عن ذلك من لا يجهلون فضله في السابقة والمواضع، ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون الناس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامة؛ فإن رغب أمير المؤمنين لنفسه عن هذه السيرة وما أشبهها، فلم يعارض ما عاب ولم يمثل ما سخط، كان العدل أن يقتصر بهم على فيئهم، فيجعل ما خرج من كور الشام، فضلا عن النفقات، وما خرج من مصر فضلا عن حقوق أهل المدينة ومكة بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلهم ديوانهم أو يزيد أو ينقص، غير أنه يأخذ أهل القوة والغناء وخفة المؤنة والعفة في الطاعة، ولا يفضل أحدا منهم على أحد إلا على خاصة معلومة، ويكون الديوان كالغرض المستأنف، ويأمر لكل جند من أجناد أهل الشام بعدة من العيال يقترعون عليها، ويسوي بينهم فيما لم يكونوا أسوة فيه فيمن مات من عيالاتهم، ولا يصنع بأحد من المسلمين.

وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم، فلعمري لئن أخذوا بالحق، ولم يأخذوا به إنهم لخلقاء أن يكون لهم نزوات ونزقات، ولكنا على مثل اليقين - بحمد الله - من أنهم لم يشركوا بذلك إلا أنفسهم، وإن الدائرة لأمير المؤمنين عليهم آخر الدهر - إن شاء الله - فإنه لم يخرج الملك من قوم إلا بقيت فيهم بقية يتوثبون بهائم، كان ذلك التوثب هو سبب استئصالهم وتدويخهم.

ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر أصحابه؛ فإن من أولى أمر الوالي منه بالتثبت والتحيز أمر أصحابه الذين هم بهاء فنائه، وزينة مجلسه، وألسنة رعيته، والأعوان على رأيه، ومواضع كرامته والخاصة من عامته؛ فإن أمر هذه الصحابة قد عمل فيه من كان وليه من الوزارة والكتاب قبل خلافة أمير المؤمنين عملا قبيحا مفرط القبح مفسدا للحسب والأدب والسياسة، داعيا للأشرار طاردا للأخيار، فصارت صحبة الخليط أمرا سخيفا، فطمع فيه الأوغاد وتزهد فيه من كان يرغب فيما دونه، حتى إذا التقينا أبا العباس - رحمة الله عليه - وكنت في ناس من صلحاء أهل البصرة ووجوههم، فكنت في عصابة منهم أبوا أن يأتوه، فمنهم من تغيب فلم يقدم، ومنهم من هرب بعد قدومه اختيارا للمعصية على سوء الموضع، لا يعتذرون في ذلك إلا بضياع المكتب والدعوة والمدخل، يقولون هذه منزلة كان من هو أشرف من أبنائنا يرغبون فيما هو دونها عند من هو أصغر أمراء ولاتنا اليوم، ولكنها قد كانت مكرمة وحسبا إذ الناس ينظرون ويسأل عنهم، فأما اليوم ونحن نرى فلانا وفلانا ينفر بأسمائهم على غير قديم سلف، ولا بلاء حدث، فمن يرغب فيما ههنا، يا أمير المؤمنين أكرمك الله، إما يصير العدل كله إلى تقوى الله - عز وجل - وإنزال الأمور منازلها فإن الأول قال:

رسائل البلغاء · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٣٨