تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن الأمور التي يذكر بها أمير المؤمنين - أمتع الله به - أمر هذا الجند من أهل خراسان؛ فإنهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام، وفيهم منعة بها يتم فضلهم، إن شاء الله، أما هم: فأهل بصر بالطاعة وفضل عند الناس، وعفاف نفوس وفروج، وكف عن الفساد وذل للولاة فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم، وأما ما يحتاجون فيه إلى المنعة من ذلك فتقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم؛ فإن في ذلك اليوم اختلاطا من رأس مفرط غال، وتابع متحير شاك، ومن كان إنما يصول على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسيرة فهو كراكب الأسد الذي يوجل من رآه والراكب أشد وجلا، فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم أمانا معروفا بليغا وجيزا محيطا بكل شيء يجب أن يقول فيه، ويكفوا عنه بالغا في الحجة قاصرا عن الغلو يحفظه رؤساؤهم حتى يقود به دهماءهم، ويتعهد به منهم من لا يؤبه له من عرض الناس لكان ذلك - إن شاء الله - لرأيهم صلاحا، وعلى من سواهم حجة وعند الله عذرا، فإن كثيرا من المتكلمين من قواد أمير المؤمنين اليوم، إنما عامة كلامهم فيما يؤمر الأمر ويرغم الرغم أن أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت. ولو أمر أن تستدبر القبلة بالصلاة فعل ذلك، وهذا كلام قلما «يرتضيه» من كان مخالفا، وقلما يرد في سمع السامع إلا أحدث في قلبه ريبة وشكا، والذي يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى للأمر، وأعز للسلطان وأقمع للمخالف وأرضى للموافق، وأثبت للعذر عند الله - عز وجل.

فإنا قد سمعنا فريقا من الناس يقولون لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، بنوا قولهم هذا بناء معوجا. فقالوا: إن أمرنا الإمام بمعصية الله، فهو أهل أن يعصى، وإن أمرنا الإمام بطاعة الله فهو أهل أن يطاع، فإذا كان الإمام يعصى في المعصية. وكان غير الإمام يطاع في الطاعة فالإمام ومن سواه على حق الطاعة سواء، وهذا قول معلوم يجده السلطان ذريعة إلى الطاعة والذي فيه أمنيته لئلا يكون للناس نظائر، ولا يقوم بأمرهم إمام، ولا يكون على عدوهم منهم ثقل.

سمعنا آخرين يقولون: بل نطيع الأئمة في كل أمورنا، ولا نفتش عن طاعة الله ولا معصيته، ولا يكون أحد منا عليهم حسيبا، هم ولاة الأمر وأهل العلم، ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم. وليس هذا القول بأقل ضررا في توهين السلطان، وتهجين الطاعة من القول الذي قبله؛ لأنه ينتهي إلى الفظيع المتفاحش من الأمر في استحلال معصية الله جهارا صراحا. وقال أهل الفضل والصواب: قد أصاب الذين قالوا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصيبوا في تعطيلهم طاعة الأئمة وتسخيفهم إياها، وأصاب الذين أقروا بطاعة الأئمة لما حققوا منها، ولم يصيبوا ما أبهموا من ذلك في الأمور كلها، فأما إقرارنا بأنه لا يطاع الإمام في معصية الله؛ فإنما ذلك في عزائم الفرائض، والحدود التي لم يجعل الله لأحد عليها سلطانا. ولو أن الإمام نهى عن الصلاة والصيام والحج، أو منع الحدود وأباح ما حرم الله لم يكن له في ذلك أمر.

فأما إثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره؛ فإن ذلك في الرأي والتدبير، والأمر الذي جعل الله أزمته وعراه بأيدي الأئمة ليس لأحد فيه أمر، ولا طاعة من الغزو والقفول والجمع والقسم والاستعمال والترك والحكم بالرأي، فيما لم يكن فيه أثر وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسنة، ومحاربة العدو ومخادعته والأخذ للمسلمين والإعطاء عليهم، وهذه الأمور وأشباهها من طاعة الله - عز وجل - الواجبة وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام، ومن عصى الإمام فيها أو خذله فقد أوتغ نفسه. وليس يفترق هذان الأمران إلا ببرهان من الله - عز وجل - عظيم، وذلك أن الله جعل قوام الناس، وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين: الدين والعقل، ولم تكن عقولهم وإن كانت نعمة الله - عز وجل - عظمت عليهم فيها بالغة معرفة الهدى ولا مبلغة أهلها رضوان الله، إلا ما أكمل لهم من النعمة بالدين الذي شرع لهم، وشرح به صدر من أراد هداه منهم، ثم لو أن الدين جاء من الله لم يغادر حرفا من الأحكام والرأي والأمر وجميع ما هو وارد على الناس، وجاز فيهم مذ بعث الله رسوله

رسائل البلغاء · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٣٥