ولا تقل كما يقول السفهاء أخبر بما سمعت؛ فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإن السفهاء أكثر من هو قائل، وإنك إن صرت للأحاديث واعيا وحاملا كان ما تعي وتحمل عن العامة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف.
انظر من صاحبت من الناس من ذي فضل عليك بسلطان ومنزلة، ومن دون ذلك من الخلصاء، والأكفاء والإخوان فوطن نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو، وتسخو نفسك عما اعتاص، مما قبله غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد؛ فإن المعاتبة مقطعة للود وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو والمسامحة في الخلق، مقرب لك كل ما تتوق إليه نفسك، مع بقاء العرض والمودة والمروءة.
اعلم أنك ستبتلى من أقوام بسفه، وأن سفه السفيه سيطلع لك منه؛ فإن عارضته أو كافأته بالسفه، فكأنك قد رضيت ما أتى به فاجتنب أن تحتذي مثاله؛ فإن كان ذلك عندك مذموما، فحقق ذمك إياه بترك معارضته، فأما أن تذمه وتمتثله، فليس ذلك لك.
لا تصاحبن أحدا وإن استأنست به أخا قرابة أو أخا مودة ولا والدا ولا ولدا إلا بمروة؛ فإن كثيرا من أهل المروة قد يحملهم الاسترسال، أو التبذل على أن يصحبوا كثيرا من الخلصاء بالإدلال والتهاون، ومن فقد من صاحبه صخبة المروة ووقارها أحدث له في قلبه رقة شأن وخفة منزلة.
لا تلتمس غلبة صاحبك والظفر عليه بكل كلمة ورأي، ولا تجترئن على تقريعه وتبكيته بظفرك إذا استبان، وحجتك إذا وضحت؛ فإن أقواما يحملهم حب الغلبة، وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعد ما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجة ثم يستطيلوا بها على الأصحاب، وذلك ضعف في العقل، ولؤم في الأخلاق.
لا يعجبنك إكرام من يكرمك لمنزلة أو سلطان؛ فإن السلطة أوشك أمور الدنيا زوالا، ولا يعجبنك إكرامهم إياك للنسب؛ فإن الأنساب أقل مناقب الخير غناء عن أهلها في الدين والدنيا، ولكن إذا أكرمت على دين أو مروءة فذلك فليعجبك؛ فإن المروءة لا تزايلك في الدنيا، والدين لا يزايلك في الآخرة.
اعلم أن الجبن مقتلة، وأن الحرص محرمة، فانظر فيما رأيت أو سمعت أمن قتل في القتال مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا؟
وانظر أمن يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو إليك نفسك بطلبته، أم من يطلب إليك بالشره؟
اعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوى، فذكره ذاكر بسوء وذكرته أنت بخير ينفعه ذلك أو يضره، فلا يستخفنك ذكر أحد من صديق أو عدو إلا في موطن دفع أو محاماة؛ فإن صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيل لائمة، وإن الأحزم في أمر عدوك ألا تذكره، إلا حيث يضره وألا تعد يسير الضر ضرا.
اعلم أن الرجل قد يكون حليما، فيحمله الحرص على أن يقال جليد، والمخافة أن يقال مهين على أن يتكلف الجهل، وقد يكون الرجل زميتا، فيحمله الحرص على أن يقال لسن، والمخافة من أن يقال عيي، على أن يقول في غير موضعه فيكون هذرا، فاعرف هذا وأشباهه، واحترس منه كله.
إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه؛ فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى.
ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلمتك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك.
لا تجالس امرأ بغير طريقته؛ فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعي بالبيان؛ لم تزد على أن تضيع عقلك، وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرف، وغمك إياه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه، واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له، ونقضوه عليك، وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن كثيرا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به.
ليعلم صاحبك أنك حدب على صاحبه، وإياك إن عاشرك امرؤ ورافقك ألا يرى منك بأحد من أصحابه وأخدانه رأفة؛ فإن ذلك يأخذ من القلوب مأخذا.