تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تحضرن عند الوالي كلاما لا يعني، ولا يؤمر بحضوره إلا لعناية به، أو يكون جوابا بالشيء سئلت عنه، ولا تعدن شتم الوالي شتما ولا إغلاظه إغلاظا؛ فإن ريح العز قد تبسط اللسان بألفاظ في غير سخط ولا بأس.

جانب المسخوط عليه والظنين به عند الولاة، ولا يجمعنك وإياه مجلس، ولا تظهرن له عذرا ولا تثنين عليه خيرا عند أحد من الناس، فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب مما سخط عليه فيه ما ترجو أن يلين له الوالي، واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه وشدتك عليه؛ فضع عذره عند الوالي، واعمل في إرضائه عنه في رفق ولطف.

ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن خدمته، ولا تدع مع ذلك أن تقدم إليه القول عند بعض حالات رضاه وطيب نفسه في الاستعفاء من الأعمال التي يكرهها ذو الدين وذو العرض وذو المروءة من ولاية القتل والعذاب، وأشباه ذلك.

إذا أصبت الجاه والخاصة عند الملك، فلا يحدثن لك ذلك تغيرا على أحد من أهله وأعوانه، ولا استغناء عنهم؛ فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة فتذل لهم فيها، وفي تلون الحال عند ذلك من العار ما فيه.

ليكن مما تحكم من أمرك ألا تسار أحدا من الناس، ولا تهمس إليه بشيء تخفيه عن السلطان؛ فإن السرار مما يخيل إلى كل من رآه أنه المراد به، فيكون ذلك في نفسه حسيكة ووغرا وثقلا.

لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيره في الهزل؛ فإنها تسرع في رد الحق وإبطال الصدق، مما تأتي به.

تنكب فيما بينك وبين الوالي خلقا، قد عرفناه في بعض الأعوان والأصحاب في ادعاء الرجل عندما يظهر من صاحبه من حسن أثر أو صواب رأي، أنه هو عمل في ذلك، أو أشار به وإقراره بذلك إذا مدحه مادح، بل وإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنحله صواب رأيك فضلا عن أنك تدعي صوابه، وتسند ذلك إليه وتزينه فافعل؛ فإن الذي أنت آخذ بذلك أكثر مما أنت معط بأضعاف.

إذا سأل الوالي غيرك، فلا تكونن أنت المجيب عنه؛ فإن استلابك الكلام خفة بك واستخفاف منك بالمسئول والسائل، وما أنت قائل إذا قال لك السائل: ما إياك سألت أو قال لك المسئول عند المسألة يعاد له بها دونك فأجب؟! وإذا لم ينصب السائل في المسألة لرجل واحد وعم بها جماعة من عنده، فلا تبادر بالجواب ولا تسابق الجلساء ولا تواثب الكلام مواثبة؛ فإن في ذلك مع شين التكلف والخفة، أنك إذا سبقت القوم إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء فيتعقبونه بالعيب والطعن، وإذا أنت لم تعجل بالجواب وخليته للقوم اعترضت أقاويلهم على عينك ثم تدبرتها وفكرت فيما عندك، ثم هيأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابا رضيا، واستدبرت به أقاويلهم حتى تصيخ إليك الأسماع ويهدأ عنك الخصوم، وإن لم يبلغك الكلام حتى يكتفى بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك، فلا يكون من العيب عندك، ولا من الغبن في نفسك فوت ما فاتك من الجواب؛ فإن صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مائة كلمة أمثالها في غير فرصها ومواضعها، مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أن قد أتقن وأحكم.

واعلم أن هذه الأمور لا تنال إلا برحب الذرع، عند ما قيل وما لم يقل، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة أو لم يظهر، وسخاوة النفس عن كثير من الصواب مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء.

إذا كلمك الوالي فأصغ إلى كلامه، ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا أطرافك بعمل، ولا قلبك بحديث نفسك، واحذر هذا من نفسك، وتعهد ما فيه.

ارفق بنظرائك من وزراء السلطان ودخلائه، واتخذهم إخوانا ولا تتخذهم أعداء ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها، والعمل يؤمرون به؛ فإنما أنت في ذلك أحد رجلين، إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فسوف يبدو ذلك، ويحتاج إليه ويلتمس منك وأنت مجمل، وإما أن يكون ذلك عندك فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك، وما أنت واجد في موافقتك إياهم، ولينك لهم من موافقتهم إياك ولينهم لك، أفضل مما أنت مدركه بالمنافسة والمناظرة.

رسائل البلغاء · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٢٢