وقد كتبت هذه الرسالة فعليك بحفظها عن هؤلاء الذين لا يفهمون الدقائق، ولا يعلمون الحقائق؛ فإني حررتها لأمثالك من ذوي الفهم والهداية، وأشكالك من ذوي العلم والدراية، لا لهؤلاء الذين عميت أبصارهم وبصائرهم، وصدئت أفكارهم وخواطرهم؛ فإن رياض العلم لا تفتق للمجانين، وحياض الرحمة لا تدفق للشياطين، والسلام.
القسم التاسع
| منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة
عني بنشره أحمد بك تيمور عن نسخة كتبت سنة 710ه
| منتخب في عهد أزدشير بن بابك الملك في السياسة
بسم الله الرحمن الرحيم
من ملك الملوك أزد شير بن بابك ... إلى من يخلف من الملوك.
السلام عليكم، إن من أخلاق الملوك الأنفة والجراءة والبطر والعث، وكلما دامت سلامة الملك في ملكه قويت هذه الأخلاق عليه، حتى يغلب عليه سكر الملك الذي هو أشد من سكر الخمر، فيظن أنه قد أمن من النكبات والعثرات، فيبسط يده ولسانه بالقبيح؛ فيفسد باعتماده جميع ما أصلحه الملوك قبله، فتعود المملكة خرابا.
وأفضل الملوك الذي يتذكر في عزه الذل، وفي أمنه الخوف، وفي قدرته العجز، فيجمع بين بهجة الملك وحذر الرعية، ولا خير إلا في جمعهما؛ فإن رشاد الملك خير من خصب الزمان.
الدين أساس الملك، والملك حارس الدين، فلا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
إياكم أن تتهاونوا بمن يطلب الرئاسة بإظهار الزهد والغضب للدين، فما اجتمع الناس على رئيس في الدين، إلا انتزاع ما في يد الملك من ملكه؛ فإن الناس إلى رئيس الدين أميل، فتعهدوا طبقات الناس وتفقدوا جماعاتهم، فإن فيهم من قد حقرتم وجفوتم.
وإذا أذن الملك للعقلاء من مناصحي دولته في إنهاء ما يتجدد عندهم من النصائح التي لا يعلمها خواصه، أو يعلمونها ويكتمونها انفتحت له أبواب من الأخبار المحجوبة عنه؛ فيحذر وزراءه وخواصه من الاتفاق على ما يسترونه عنه، ولا يقدمون على أمر يكرهه خوفا من أن يطالع به، فيأمن مكايدهم وتسلم الرعية من ظلمهم.
ومن غلبت عليه خواصه، حتى منعوا عنه الناس، فلا يصل إليه إلا من يحبون؛ أطبقت ظلم الجهالة عليه.
ولا ينبغي للملك أن يعتقد أن تعظيم الناس له هو بترك كلامه، ولا أن إجلالهم له هو بالتباعد عنه، ولا أن محبتهم هي بموافقته على جميع ما يحبه، وإنما تعظيمهم له بتعظيم عقله وصواب سياسته، وإجلالهم له إجلال منزلته من الله، بما يجريه على يده ولسانه من العدل، ومحبتهم له بما يتألفهم بكريم خلقه، وصادق المحبة هو الذي يعينه على العدل، وحسن التدبير بمحض النصيحة.
إن في الرعية وحملة السلاح من الأهواء الغالة والفجور، ما لا بد للملك معه من أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة، وباب الإنعام بباب الانتقام؛ فإن القصاص من المفسدين حياة لبقية الأمة، ومن لم يقم حدود الله تعالى فيمن له فيه هوى لم تثبت هيبته في قلوب الخاصة والعامة، ولن يستطيع الملك أن يقوم العامة حتى يقوم الخاصة.
وإن من كان من الملوك قبلنا قد رتبوا الناس أربع طبقات، فالأمراء والجند صنف والعباد والفقهاء صنف، والكتاب والحكماء صنف، والتجار والفلاحون صنف، فلم يمكنوا صنفا منها أن يدخل في الصنف الآخر، لتتفرغ كل طبقة للقيام بما يلزمها.
وليس أضر على الملك من رأس صار ذنبا، أو يد مشغولة وجدت فراغا من شغلها.
وخير الملوك من بعث العيون على نفسه؛ ليعلم عيوبها، فيكون أعلم بعيوب نفسه من غيره، ثم يجتهد في مداواة عيب بعد عيب، حتى لا يجد أحد فيه مطعنا، فهذا الذي تمت سيادته.
وإن ابتهاج الملك المسدد الرأي القاهر لهواه بوفور عقله، وشرف نفسه بارتفاعها من النقائص أعظم من سروره بملكه.
ومن الرعية من يقارب الملك في مأكله وملبسه وشهوته. وليس فيهم من يقدر كقدرته على اجتناء المحامد وإصلاح الرعية بالعدل عليها، وتأمين السبل وصيانة الحريم وكف أيدي الظالمين، فاجتهدوا معشر الملوك في بسط العدل الذي لا تقدر عليه الرعية، وتنافسوا في اقتناء الذكر الجميل.