هكذا كان طريق مصر إلى القرن التاسع للهجرة، وهذا أقصى ما بلغته مدنية القوم في أسباب النقل والراحة، وينزل اليوم في هذه النفود - أي الرمال المتراكمة كما يسميها العرب - أناس من عرب مصر يرجعون في أصولهم إلى بطون وأفخاذ معروفة عندهم، تعرفهم بسيماهم، ضئال الأجسام، صفر الوجوه على نحو ما وصفهم واصفوهم في القرون الوسطى، وهم شاوية يقومون على تربية الشاء ولهم جمال قليلة، وزروعهم في الأكثر الشعير في الشتاء والبطيخ في الصيف، ولهم نخيل قليل في بعض واحاتهم وبالقرب من سبخاتهم، ولا حجر في ديارهم يبنون به بيوتهم، ومساكنهم حقيرة يصنعونها من الخوص، فلا هم بادية يأوون إلى الخيام، ولا هم حضر كالعرب النازلين منذ القديم في ريف مصر كالفيوم والشرقية وغيرهما من مديريات القطر مثلا، ولهجاتهم أقرب إلى لهجة سكان جنوبي الشام منها إلى اللهجة المصرية، ومن فلسطين يكتالون، وفي فلسطين يقضون شطرا من السنة في رعي أغنامهم وماعزهم، ولم تعمل الحكومة المصرية شيئا لارتقائهم سوى أنها نشرت أعلام الأمن على ربوعهم؛ ولذلك ترى تجار الإبل يأتون بها من بلاد نجد والجزيرة والشام، ولا يزالون يحاذرون اعتداء السراق عليها حتى يبلغوا رفح، وعندها يوقنون بأنه لا يضيع لهم في تلك البادية عقال بعير، وكان عرب هذه النفود من قبل مثلا سائرا في الاعتداء على السابلة، وهم اليوم معفون من الضرائب والخدمة العسكرية، وغريب كيف لا ينالهم قسط من مدنية مصر، فحرموها كما حرموا الاستمتاع بماء النيل العذب وتربة واديه الممرعة. •••
هذه النفود هي الحد الطبيعي بين مصر والشام، بل الحد الصناعي الذي اصطلحت عليه مؤخرا الحكومتان المصرية والعثمانية في رفح والعقبة، بل الحد الفاصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، لم يحل في كل الأزمان دون اختلاط أهل هذين القطرين الشقيقين، ومن قرأ تواريخ الجبرتي وابن إياس والسخاوي وابن حجر والغزي وغيرهم، يدرك أن هجرة السوري إلى مصر ترد إلى مئات من السنين، ومن بحث في أنساب من تولوا أعمال الحكومة المصرية، وشاركوا مصر في سعودها ونحوسها من العلماء والتجار والصناع، يجد فيهم كثيرا من الشاميين، وكذلك الحال في المصريين ببلاد الشام، فلا عجب إذا كان حظ مصر والشام واحدا في السراء والضراء، وعلائقهما الاقتصادية موفورة مستحكمة، وليس أعلق بالقلوب من الصلات المالية، وإنا لنرى الشام أمس واليوم وغدا تتأثر لأقل أزمة مالية في مصر، كما أن هذه تتأذى من العوارض السماوية أو الأرضية كلما اجتاحت الشام، فمصر والشام هما قطران بالاسم، ولكنهما بالفعل قطر واحد، جرى الاصطلاح على تسمية كل منهما باسم، وكل منهما متمم لصاحبه، حتى لقد سئل أحد عمال الدولة العثمانية في القرن الماضي عن رأيه في القطرين فقال: مصر مزرعة حسنة والشام مصيف جميل.
وإذ قد عرفنا أن أجدادنا أحسنوا الانتفاع من مجاورة القطرين العزيزين، ساغ لنا أن نطالب في هذا العهد بزيادة أواخي الإخاء بينهما من طريق البر على نحو ما هي عليه من طريق البحر، فيسعى العقلاء من الماليين إلى نيل امتياز، يربط عاصمة الشام بعاصمة مصر بخط حديدي عريض، حتى يأتي الراكب في أربع عشرة ساعة بدلا من أربعة عشر يوما، وإذا أحب القائمون بالأمر الاكتفاء بوصل السكة الجديدة مع أقرب الطرق إلى مصر، فما عليهم إلا أن يكتفوا الآن بإيصاله إلى القدس، وهذه ستتصل هذا العام بخط حيفا مبدأ السكة الحجازية من محطة العفولة، والمسافة بينهما لا تقل عن مائة كيلومتر، تمد على نفقة إدارة الخط الحجازي، ومعلوم أن حيفا مرتبطة بدرعا ودمشق، وعندها يسهل على ابن مصر الاصطياف في جبال الشام، وتبعث هذه بحبوبها وثمارها، وترسل مصر إلى الشام بشيء من مدنيتها وعلومها وانتظامها، ويخلص كل من يريد أن يخلص إلى مصر من هذه الرمال الموحشة المرعشة والمفازة المدهشة المعطشة التي تعوذ منها كل من اجتازها وقاسى الأمرين من مائها البشع المر المهوع المتروح، ولولا أنني تسليت عن المأكل والمشرب في الأيام الخمسة التي قضيتها في اجتياز هذه المفاوز بما سمعته من أحاديث رفاقي العرب في الإبل حتى صرت كأنني بعض رعاتها؛ لطال علي أمرها، ولكني حملت النفس على أن تتعلم الصبر من تلك الجمال، وطبقت فيها بالعمل ما قرأته بالنظر أيام الطلب من مصطلحات العرب في إبلهم وحدائهم، فصار مذهبي - ولا فخر - جماليا بعد أن كان جماليا، وعلمي بالأباعر عمليا وكان من قبل نظريا.