ليس العالم شر محض ولا خير محض، ولكل عاقل في الأرض مزية، كما أن له ما يعد عليه من الهنات، وسيف الدولة من هذا القبيل لم تكن أعماله إلى الخير المحض بمصادراته وإسرافه، وكانت له مزيتان قل أن يكتبا لغيره وهما: نهضة الآداب في هذه البلاد، ودفع عادية الروم عنها، ولولاه لعاد إليها سلطانهم بعد أن تقلص بالإسلام نيفا وثلاثة قرون، وهذا الإجمال كما ترون يحتاج إلى تفصيل.
كان هم سيف الدولة في سياسته الخارجية أن يضعف الروم في آسيا الصغرى، فكان كثيرا ما يغزوهم ويفتح حصونهم، ويسبي من أبنائهم، ويخرب في زرعهم وقراهم، ويستصفي أموالهم وعروضهم، وقيل: إنه غزاهم أربعين مرة كانت فيها بعض الغزوات له وبعضها عليه. وكان همه في سياسته الداخلية تنجيد القصور، وجمع الأموال، والتجوز في أخذ الحلال والحرام منها، وإظهار أبهة الملك، والإفضال على الشعراء، وكانت عصبيته من عرب الجزيرة مسقط رأسه ومنبعث دولته. ومن عرب الشام مثل بني كلاب الذين أدناهم وأمن سربهم فقهروا العرب وعلت كلمتهم، قال في مسالك الأبصار: وبنو كلاب هم عرب أطراف حلب والروم، ولهم غزوات عظيمة معلومة وغارات لا تعد، ولا تزال (أي في القرن الثامن) تباع بنات الروم وأبناؤهم من سباياهم، ويتكلمون بالتركية ويركبون الأكاديش، وهم عرب غزو ورجال حروب وأبطال جيوش، وهم من أشد العرب بأسا وأكثرهم ناسا.
قل في أيام سيف الدولة غزو الروم لمدينة حلب، وكانوا يغزونها السنة بعد الأخرى، ويعيثون في أرباضها وقراها ، ويحرقون ويخربون ويسبون، دع غزوتهم لها سنة 351 أيام استولوا عليها دون قلعتها، ولم يعلم سيف الدولة بالخبر، فخرج إليهم فيمن معه فقاتلهم، فلم يكن له قوة الصبر لقلة من معه فقتل أكثرهم، ولم يبق من أولاد داود بن حمدان أحد، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب وتسمى الدارين، فوجد فيها لسيف الدولة ثلاثمائة بدرة (والبدرة كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار من الدراهم، ويبلغ مجموعه نحو مليوني دينار باصطلاحنا اليوم) وأخذ له ألفا وأربعمائة بغل، ومن خزائن السلاح ما لا يحصى، وأخذ الجميع، وخرب الدار، وملك الحاضر، وحصر المدينة فقاتله أهلها، وهدم الروم في السور ثلمة فقاتلهم أهل حلب عليها، فقتل من الروم كثير ودفعوهم عنها، فلما جنهم الليل عمروها، فلما رأى الروم ذلك تأخروا إلى جبل الجوشن، ثم إن رجال الشرطة بحلب قصدوا منازل الناس، وخانات التجار لينهبوها فلحق الناس أموالهم؛ ليمنعوها فخلا السور منهم، فلما رأى الروم السور خاليا من الناس قصدوه وقربوا منه فلم يمنعهم أحد، فدخلوا البلد بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا الفتك حتى تعبوا وضجروا، وكان في حلب ألف وأربعمائة من الأسارى، فتخلصوا وأخذوا السلاح وقتلوا الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألف صبي وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرة، فلما لم يبق من الروم ما يحملون عليه الغنيمة أمر الدمستق بإحراق الباقي وإحراق المساجد، قال ابن الأثير: وكان عدد عسكره مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألفا بالجواشن (الدروع) وثلاثون ألفا للهدم، وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحديد، وكانت هذه الموقعة بسفح (بالقوسا) فأحرقوا جامعها.
بيد أن هذه الواقعة وأمثالها لم تثن من همة سيف الدولة، فظل على غزو الروم؛ ليكف عاديتهم عن هذه الديار، وكانت له طرق غريبة في الرحمة، من ذلك أنه سار مرة بالبطارقة الذين في أسره إلى الفداء، وكان في أسر الروم ابن عمه أبو فراس، وجماعة من أكابر الحلبيين والحمصيين فأخذ بالفداء، ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى الباقين كل نفس باثنين وسبعين دينارا، حتى نفد ما معه من المال، فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته (درعه) الجوهر المعدومة المثل، ثم لما لم يبق أحد من أسرى المسلمين كاتب نقفور ملك الروم على الصلح، قال ابن الوردي: وهذه من محاسن سيف الدولة.