تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهم الذين وسعوا أصول الفقه حتى إن أكثر المسائل المذكورة فيه هي من مبتكراتهم، غير أن الأصوليين لم يحبوا أن يتركوها لهم، وهذا ظاهر لمن يتتبع فن الأصول عصرا فعصرا، وأما ما يرميهم به خصومهم من أن الاعتزال نشأ من انتشار كتب الفلسفة فهي فرية؛ لأن الاعتزال وقواعده الأصلية نشأت قبل ترجمة كتب الفلسفة المتعلقة بالإلهيات بلا خلاف، وكثير مما قالوه كمسألة الاختيار المطلق ومسألة خلود العاصي مؤبدا، ونحو ذلك كان يستعين خصومهم في الرد عليهم بها بكلام الفلاسفة، وإنما كان دأب المعتزلة بمقتضى متانتهم أن يخوضوا في أي شيء كان من العلوم التي كانت قبل، ولن يجروا على ما يظهر لهم؛ لاعتقادهم وجزمهم بأنه لا توجد حقيقة تخالف الدين، فكانوا أشد الناس إسراعا للخوض في الفنون، وأكثر المؤلفات المهمة في العلوم المنوعة، ما عدا الفقه، يدهم فيها أطول من يد من يخالفهم إجمالا، والتاريخ يظهر ذلك بأجلى مظاهره. وأما الفقه فإنهم أخذوا فيه بما أخذ به غيرهم؛ لاعتقادهم أن الخطب فيه سهل، غير أن لهم في الفقه دقائق غريبة يجدها الإنسان في تضاعيف الكتب هم منشأها، وأما الحديث فإنهم رأوا كثرة الوضع، وظهر لهم أن التمييز بين الصحيح وغيره يعسر، لا سيما ما روي من طرق غيرهم، فإنهم لا يطمئنون إليه؛ لاعتقادهم أن كثيرا من أهل الورع والصدق من غيرهم ربما يجوزون وضع الحديث للمصلحة، وشاهدوا في عصرهم أحاديث وضعت في حقهم مثل «القدرية مجوس هذه الأمة»، فنفروا من المحدثين وثلبوهم أشد ثلب، ولما كان لهم علم الحديث أهم علوم الدين وهم أشد الناس ولوعا به، ذهبوا إلى قاعدة غريبة وهي أن كل حديث لا يخالف القرآن، وهو قريب من مقاصد الشارع، أو كان مما يدل على مكارم الأخلاق سلموا به إجمالا بدون نظر في رواته، وما وجدوه مخالفا لذلك ردوه البتة، ومن هذا نشأ كثرة ما تراه من ذكر الأحاديث في كتب مثل الجاحظ والزمخشري وغيرهما من أئمة المعتزلة منهم يبحثون عن القول لا عن راوية.

غير أنهم يعتقدون أن من أخذوا بقوله كان على مذهبهم ومشربهم، وقد وقع في التواريخ مناقشات كثيرة في مسألة نحل كثير من المشهورين في العلم والفضل، والسبب في ذلك أن كثيرا من المتقدمين كانوا لا يصرحون بما يصرح به المتأخرون، فكان كل فريق يدعي أن فلانا منهم، ويظهر ذلك لمن راجع كتب مناقب المشهورين على طريقة المتقدمين، فإنهم كانوا يفيضون في كل شيء لا على طريقة المتأخرين الذين يطوون كل شيء لا يوافق مأربهم الخاص ظنا منهم أنهم بذلك يحسنون صنعا، وكثيرا ما يذكرون منقبة، وهي في الباطن مثلبة وربما كانت موضوعة:

ما يبلغ العاقل من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

هذا ما قاله ننقله بلفظه ومعناه من لسان ذاك الإمام الكبير، وقد قال المرتضى: وأما ما أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالما حيا، لا لمعان ليس بجسم، ولا عرض ولا جوهر عينا واحدا لا يدرك بحاسة، عدلا حكيما، لا يفعل القبيح ولا يريده، كلف تعريضا للثواب، ومسكن من الفعل وأزاح العلة، ولا بد من الجزاء، وعلى وجوب البعثة، حيث حسنت ولا بد للرسول - صلى الله عليه وآله - من شرع جديد، أو إحياء مندرس، أو فائدة لم تحصل من غيره، وأن آخر الأنبياء محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - والقرآن معجزة له، وأن الإيمان قول ومعرفة وعمل، وأن المؤمن من أهل الجنة وعلى المنزلة بين المنزلتين وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنا ولا كافرا إلا من يقول بالإرجاء، فإنه يخالف في تفسير الإيمان وفي المنزلة، فيقول الفاسق يسمى مؤمنا، وأجمعوا على أن فعل العبد غير مخلوق فيه، وأجمعوا على تولي الصحابة، واختلفوا في عثمان بعد الأحداث التي أحدثها، فأكثرهم تولاه وتأول له، وأكثرهم على البراءة من معاوية وعمرو بن العاص، وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تعداد علمائهم مصنفات عدة، كالمصابيح لابن يزداد وغيره. ا.ه.

القديم والحديث · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٧٧