ثم شبه الخطيب بالممثل في حركاته، ولكن تمثيلا حسنا بحسن استعمال حركاته وسكناته، لا تأخذه رهبة ولا جزع. قال: والأحسن أن يعمد من يحب التبريز في هذا الفن أن يتمرن أمام أصحابه، ويقوم بينهم خطيبا كما لو كان بين غرباء، وهم يدلونه على نقصه ويبينون له عوراته، وبصحة الإرادة وفضل الانتباه يتوصل المرء إلى ما يريد، حتى إذا حصلت له أنسة بالكلام يشرع في خطابه ببطء، والمستمعون لا يستمعون له بكليتهم أولا، بل إن لهم من أحواله أعظم جاذب، وعلى الخطيب أن يلاحظ وسط القاعة التي يخطب فيها أو آخر الحضور يحدق النظر فيهم؛ ليدلهم بلسان حاله أنه يعنى بأسماعهم وإقناعهم.
هذا محصل ما اخترناه من الكتابين في الخطابة عند الفرنسيس، وهم من الأمم المشهورة بفصحائها وخطبائها، فالسياسي الخطيب منهم هو الذي يتسلط على النواب ببيانه، ويتولى الوزارات والسفارات، وكلما برز في هذا الفن استجاش أنصارا وأحرز سمعة على وجه الدهر، والخطيب بين العلماء هو الذي يستولي كل الاستيلاء على المجامع العلمية والكليات، ويكهرب الشعب بأقواله، ويكثر أشياعه وأعوانه.
| أصل المعتزلة1
من العادة أن كل فرقة أو أهل مذهب إذا أرادت أن تصف الفرقة المخالفة لها تبخسها حقها، وربما نسبت إليها ما لم تقله، اعتقادا منها بأن تنفير الناس عن المخالف والدعوة إلى المذهب، لا يتيسران إلا بهذه الطريقة الفتة الباردة، حتى إن بعضهم جوزوا الكذب على المخالف، وما ندري أي دين سماوي أو مذهب فلسفي يجوز الكذب في أمثال هذه المسائل.
والمعتزلة ما خلوا ممن يرميهم بما ليس فيهم، خصوصا أيام استحرت المجادلات بينهم وبين الفرق الأخرى من أهل الإسلام، أيام كانوا ممتعين على عهد أوائل الدولة العباسية بحريتهم الدينية على أصولها، ولم يلاقوا من أرباب السلطة شدة ولا عناء، وقد كثر بحث الغربيين في العصر الأخير عن المعتزلة ومنشئهم، حتى قال بعضهم: إن من سوء طالع المسلمين أن ينقرض المعتزلة، فإنهم كانوا معدلين لأمزجة الحكومات وأرباب المذاهب الأخرى، إذ جروا مع العقل وطبقوا المنقول على المعقول، ونظروا إلى الجوهر أكثر من العرض، ومن حكم العقل في أقواله وأفعاله، يحترمه أحبابه وخصومه على السواء.
ولقد استطلعنا طلع رأي أحد كبار علماء الإسلام
2
في أمر المعتزلة، فأملى علينا الجملة التالية، فكانت خلاصة أحوالهم وغاية الغايات في الإفصاح عنهم، قال دام نفعه: في أواخر عصر الصحابة ظهرت ثلاث فرق من فرق الإسلام: أولاها الخوارج، وهذه الفرقة من الفرق التي اعترضت على علي بن أبي طالب في تجويزه التحكيم في أمر الخلافة، وكانت تحكم بكفر الفاسق صريحا، كشارب الخمر ونحوه فضلا عمن يسعى في سفك دماء المسلمين لأجل مأرب دنيوي، ومذهبها مبني على هذه القاعدة، وكان في ذلك العصر قد دخلت الناس أفواجا في دين الإسلام بسبب الفتوحات العظيمة، وأكثرهم ممن لم يتهذب بمكارم أخلاق الدين، فكان الناس يسمون المتساهل في الدين فاسقا، ويجعلونه من المسلمين البتة، وكان كثير من الناس يصرح بأن الأمور كانت مقدرة عليهم تخفيفا عنهم من الملام، وفي خلال ذلك هبت فرقة لهم شدة تمسك بالدين وتحل بآدابه، فأنكروا ذلك وصرحوا بأن الإنسان مختار في أعماله، وأن الله تعالى لو أجبر الإنسان على عمله لم يؤاخذه عليه، وجعلوا الناس ثلاثة أقسام: مؤمن وكافر وفاسق: فالمؤمن من يقوم بجميع شروط الدين، والكافر الجاحد مطلقا، والفاسق من أتى بكبيرة، ومنعوا من تسمية الفاسق باسم المؤمن، واعتزلوا مجلس الحسن البصري؛ لأنه لم يرض بالتصريح بسلب اسم المؤمن عن الفاسق؛ فسميت هذه الفرقة المعتزلة.
وفي أثناء ذلك ظهرت فرقة هي بالفرقة السياسية أشبه منها بالفرقة الدينية، وهي فرقة الشيعة المشايعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والشيعة حزبان حزب منهم كانوا يقولون: إنه هو الأحق بالخلافة غير أن عوارض الأحوال أوجبت تأخيره؛ لكثرة أعدائه من المنافقين وغيرهم، وكانوا لا يطعنون في الذين أخروه عنها، وقسم يقولون: إنما أخروه لعداوة في أنفسهم لا رعاية لمصلحة الأمة، ثم أخذ كل مذهب دورا من الأدوار كما يعلم من التواريخ المفصلة.