تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك، وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة التي لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختبار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لسانك، نصيرا بما عليك أو ما لك، عابك من أنت أقل عيبا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك.

فإن ابتليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعصى عليك بعد إجابة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق، فإن تمنع ذلك عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك، فإن لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع المحبة والشهوة. (7) ما يجب على الخطيب وما لا يجب

قال بشر بن المعتمر: وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينهما وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات، فإن كان الخطيب متكلما تجنب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحسن وبها أشغف؛ ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء، وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع.

قالوا: وقبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على المنبر، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع وحفل، إما في إصلاح بين العشائر واحتمال دماء القبائل، واستلال تلك الضغائن والسخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن رفيع المكان: ثم إن الله - عز وجل - بعد أن أنشأ الخلق وسواهم ومكن لهم لاشاهم فتلاشوا. ولولا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي، لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده. وخطب آخر في وسط دار الخلافة فقال في خطبته: وأخرجه الله من باب الليسية، فأدخله في باب الأيسية إلخ، قال: وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا ساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي، وكلام الناس في طبقات، كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام والجزل والسخيف، والمليح والحسن ، والقبيح والسميج، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا.

فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلم ذكروا العي والبكي، والحصر والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدق والمتفيهق، والمهماز والثرثار، والمكثار والهماز؟! ولم ذكروا الهجر والهذر، والهذيان والتخليط، وقالوا: رجل تلقاعة (كثير الكلام) وتلهاعة (متشدق) وفلان يتلهيع في خطبته، وقالوا: فلان يخطئ في جوابه، ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره، ولو أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي في ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء، قال أبو عثمان: وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء العقلاء العلماء البلغاء.

القديم والحديث · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٦٢